لا تحتاج إسرائيل إلى الكثير من الجهد والمصاريف المالية لإقامة معسكر اعتقال أو سجن إضافة إلى السجون المنتشرة في إسرائيل والمناطق الفلسطينية تحت الاحتلال الإسرائيلي.

ما على إسرائيل إلا استخدام بضع آليات عسكرية لتمهيد الأرض ونصب مجموعة من الخيام تزج بأعداد لا حصر لها من المعتقلين في كل منها؛ يقوم على حراسة المعتقل والتحكم به والتنكيل بالمعتقلين أفراد معدودون من جنود وضباط جيش الاحتلال الإسرائيلي مدججين بالسلاح.

الصليب الأحمر الدولي بدوره يدفع لإسرائيل مبلغاً من المال (حوالي عشرة دولارات يومياً عن كل سجين أو معتقل) لحمل إسرائيل على توفير الحد الأدنى من المعاملة الإنسانية للمعتقلين مع بعض الخدمات الأخرى التي تشمل الطعام واللباس والأسرّة وأغطية النوم وبعض الخدمات الطبية الخفيفة.

لدى إسرائيل أكثر من عشرة آلاف أسير حرب وسجين ومعتقل عربي وفلسطيني، و الفلسطينيون جلهم من سكان المناطق المحتلة والذين تتهمهم إسرائيل بمقاومة الاحتلال، بالرغم من كون مقاومتهم للاحتلال شرعية من الناحية الوطنية والقومية والدولية والفطرية الإنسانية. من المعتقلين والمختطَفين وأسرى الحروب والمعارك من الجنسيات العربية الأخرى هنالك اللبنانيون والسوريون والأردنيون والمصريون وربما جنسيات عربية أخرى.

وقّعت إسرائيل والأردن اتفاقية وادي عربة عام 1994 والتي بموجبها انتهت رسمياً حالة الحرب والعداء بين الدولتين؛ بعد أكثر من 12 سنة على توقيع تلك الاتفاقية لا يزال هنالك أسرى أو معتقلون أردنيون في إسرائيل لم تستطع الحكومة الأردنية تحريرهم من قبضة الاحتلال الإسرائيلي.

الأمر مشابه في حالة سوريا حيث توقفت حالة الحرب بين الدولتين عملياً منذ نهاية حرب أكتوبر عام 1973؛ لا يوجد أسرى إسرائيليون لدى سوريا وبقي عدد من الأسرى والمعتقلين السوريين في السجون الإسرائيلية.

وحالة لبنان فريدة من نوعها إذ لا توجد حرب بين الدولتين اللبنانية وإسرائيل لكن الأخيرة تحتفظ بعدة أسرى منهم محكومين لسنين طويلة تتجاوز طول الحياة أو العمر الطبيعي للإنسان كما هي حالة المناضل اللبناني سمير القنطار عميد أو عمدة الأسرى العرب في السجون الإسرائيلية نظراً للطول القياسي للمدة التي مكثها حتى الآن متنقّلاً في سجون الاحتلال.

قامت المقاومة اللبنانية (حزب الله) بعملية عسكرية هدفت إلى تبادل الأسرى اللبنانيين مع أسيرين إسرائيليين وبالتالي حرمان إسرائيل من ورقة الضغط الإنسانية تلك على لبنان.

لكن إسرائيل وبدعم أميركي قوي حاولت بدورها حرمان حزب الله من نتائج تلك العملية العسكرية النوعية لتبادل الأسرى وفضّلت خوض حرب ضروس مدمِّرة على لبنان وعلى نفسها على أن تخسر بسهولة تلك الورقة المؤثرة في التعامل مع لبنان وحكومته؛ كانت خسارة إسرائيل لتلك الحرب بامتياز.

وقّعت السلطة الوطنية الفلسطينية اتفاق أوسلو في واشنطن عام 1994 ومن المفترض أن ينهي الاتفاق حالة الحرب بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وفعلاً وضعت الحرب أوزارها من جهة الجانب الفلسطيني.

عقب الاتفاق أُفرج عن نسبة بسيطة من السجناء والمعتقلين معظمهم من ذوي الأحكام الخفيفة أو من الذين قضوا معظم مدة محكوميتهم وبقيت أعداد أخرى كبيرة داخل المعتقلات تصفهم إسرائيل بأنهم يشكلون خطراً على السلام المنشود.

خلال انتفاضة الأقصى تضاعفت أعداد السجناء والمعتقلين وزادت مآسي وويلات المعتقلين السابقين وأهاليهم الذين ينتظرون بفارغ الصبر تحرير أبنائهم من قبضة سجون الاحتلال. يواجه المعتقلون الفلسطينيون أوضاعاً متردية وتسير من سيئ إلى أسوأ ويحاولون جهدهم إيصال قضيتهم إلى مسامع العالم وشرحها عن طريق كافة الوسائل السلمية المتاحة من إضراب عن الطعام واعتصام وطرق احتجاج أخرى.

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما الذي تستفيده إسرائيل من الإبقاء على آلاف المعتقلين العرب في سجونها في ظروف إنسانية سيئة ضاربة بعرض الحائط كل المساعي المحلية والدولية والإنسانية لحل قضية الأسرى والمعتقلين؟!.

الجواب بسيط إذا ما علمنا حاجة إسرائيل إلى كل ورقة ضغط في مفاوضات محتملة مع الأطراف العربية تستطيع من خلالها ابتزاز الدول العربية بدءاً من الأطماع الجغرافية والمياه والسيادة الوطنية وانتهاءً بالمكاسب السياسية والتجارية وإقامة الأحلاف الاستراتيجية العسكرية والسياسية.

تطمع إسرائيل في إنجاز اتفاقية سلام ثنائية مع كل دولة عربية على حدة وتحاول في تلك الاتفاقية تحقيق ما تستطيع من شروط تمليها على تلك الدولة؛ شروط تمس سيادة تلك الدولة وهيبتها ووحدة أراضيها وتتدخل حتى في شؤونها الداخلية وطرق تعاملها مع الأقليات الإثنية! وتقويم سياسة تلك الدولة العربية الخارجية بحيث تراعي مصالح الدولة العبرية.

في ظل ميزان عسكري في صالحها ودعم أميركي لا-محدود تصبح مشكلة الأسرى والمعتقلين العرب خفيفة الوطء على كاهل الدولة العبرية، بل حتى غير ذات شأن يذكر طبقاً للقانون الدولي.

في هذا السياق يصبح وضع السلطة الفلسطينية المقزّمة أصلاً في حالة يرثى لها بالنسبة لمطالبتها المستمرة لإسرائيل بإخلاء سبيل آلاف الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين؛ يلاقي الفلسطينيون الآذان الإسرائيلية الصماء بشأن قضية أسراهم ومعتقليهم التي طال عليها الزمن.

من حين لآخر تلجأ مجموعات فلسطينية شبه عسكرية إلى اختطاف أو أسر جنود إسرائيليين في محاولة يائسة منهم لتحرير بعض أسراهم على الأقل. جل القضايا العالقة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية شبه مستحيلة الحل بسبب تعنت إسرائيل ومحاولتها ابتزاز كل شيء لدى الطرف الفلسطيني وما قضية الأسرى إلا واحدة منها، لكنها شديدة التأثير بسبب طبيعتها الإنسانية.

تشمل اتجاهات الابتزاز الإسرائيلية محاولة اقتطاع أجزاء من الأراضي المحتلة مما تبقّى بعد إقامة جدار النكبة الفلسطينية الثالثة وحل مسألة الحدود ووضع القدس ومشكلة تقسيم المياه الجوفية وملف نقل السلطات، كلها وغيرها تم تأجيل البت فيها إلى ما عرّفَ بمفاوضات الوضع النهائي والتي بحد ذاتها تخضع للابتزاز الإسرائيلي.

تبقى قضية الأسرى جزءاً لا يتجزأ من قضية فلسطين التي تسعى إسرائيل إلى تقويضها بل تدميرها وفرض الواقع الإسرائيلي الذي يعتمد على تفسيرات ليكودية (نسبة إلى حزب الليكود الإسرائيلي المتطرف) أو عمالية (نسبة إلى حزب العمال الذي يبدو أقل تطرفاً من ناحية نبرته الخطابية) أو حتى شخصية «أولميرتية» (نسبة إلى إيهود أولمرت رئيس وزراء إسرائيل الحالي الذي يمتاز بشدة التطرف)، والتي في مجملها معادية للقضية الفلسطينية من الأساس وجملةً وتفصيلاً.

لا تمانع إسرائيل في أن تشتد نخوة العرب وحميتهم لمساعدة أشقائهم الفلسطينيين الذين يمكن اعتبارهم جميعاً رهائن وأسرى حرب ومعتقلين سياسيين وإداريين لدى إسرائيل، وبدرجات متفاوتة، خاصة في ظروف حصار مُحكم خانق. على كل طرف عربي القدوم للتفاوض مع دولة إسرائيل أن يحمل معه سلة من التنازلات التي يطيب لإسرائيل تناول ما يليق بها منها.

سلال التنازلات العربية تشمل الاعتراف وإقامة علاقات تجارية ودبلوماسية وفتح سفارات ومكاتب تجارية وقنصلية وإغلاق مكاتب مقاومة التطبيع العربية وغير ذلك الكثير.

حديثاً يجري الحديث عن تكوين تحالف عربي-إسرائيلي لمقاومة التهديد النووي الإيراني، وفي ذلك على العرب أن لا يخشوا برنامج إيران النووي الذي هو لا شيء مقارنة مع قدرة وترسانة إسرائيل النوويتين الاستراتيجيتين. في ظل تلك التنازلات والتسهيلات العربية لإسرائيل من المؤمّل أن تلين إسرائيل موقفها بشأن الأسرى والمعتقلين العرب عامة والفلسطينيين خاصة!.

في النهاية على العرب أن يتضامنوا بشكل أو بآخر مع بعضهم أولاً ومع الأسرى والمعتقلين فيما بعد والذين أي الأخيرين وقعوا في قبضة قوات الاحتلال الإسرائيلي دفاعاً عن قضايا الوطن والأمة عامةً. لا توجد دول أو أمم تنسى أو تتناسى شؤون أسراها مثلما تفعله معظم الحكومات والدول العربية.

في احتفالات العرب والمسلمين بعيد الفطر المبارك عليهم أن يتذكروا أن خلف قضبان السجون الإسرائيلية الفاشية العنصرية يقبع الآلاف من المعتقلين والسجناء والأسيرات والمعتقَلات والسجينات، وفيهم الأطفال والحوامل والمرضعات والرضع، ينتظرون حرية مشاركة أهاليهم فرحتهم ومنذ أعياد كثيرة خلت.

جامعة الإمارات