«وثيقة مكة المكرمة» لن تؤدي إلى إحداث أي اختراق في الأزمة العراقية لأنها ليست سوى نداء إنساني من منطلق ديني أخلاقي.
فهل ينجح المبعوث الأميركي الخاص جيمس بيكر فيما فشل فيه الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي من خلال مؤتمر مكة المكرمة الذي اقتصر الحضور فيه على فقهاء إسلاميين من طائفتي السنة والشيعة؟
الأزمة العراقية ليست قضية فقهية إنما أزمة سياسية ـ مذهبية. ولذا فان تعمد المراجع المذهبية العراقية بشقيها السني والشيعي التغيب عن اجتماع مكة كان إيذانا بالفشل المحتوم حتى قبل الافتتاح.
الآن ينظر العالم إلى جيمس بيكر.. السياسي القانوني المخضرم الذي عينه الرئيس بوش على رأس مهمة تاريخية لاقتراح حل نهائي للأزمة. لكن بالرغم مما يتمتع به بيكر من رصانة دبلوماسية مسنودة بقدر من النزاهة إلا أن هذا السياسي الماهر نفسه يقول عن مهمته إنها أصعب مهمة اضطلع بها في حياته السياسية الحافلة بالخبرات.
في ظل الاحتلال الأميركي أصبحت الأزمة العراقية معضلة مركبة إلى درجة أنها تبدو الآن وكأنها غير قابلة لأية تسوية تجد القبول لدى كافة الأطراف.
هناك عدة قوى محلية وخارجية متورطة في المشهد ومتورطة مع بعضها البعض: قوة عظمى تتمثل في الولايات المتحدة.. وثلاث قوى إقليمية في مقدمتها إيران ذات النفوذ الأشد في الحلبة العراقية وتتمثل أيضا على نحو أو آخر في سوريا وتركيا.
وهناك بالطبع القوى المحلية المتصارعة: الشيعة كما تمثلهم منظمات «الائتلاف الشيعي» وأشدها بأسا «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق».. والمقاومة الوطنية المسلحة ذات الطابع السني كما يمثلها تنظيم مظلي يجمع منظمات إسلامية مع منظمات قومية كالبعثيين.
بيكر لم يشرع بعد عمليا في مهمته، لكن نستطيع أن نتصور أن محور هذه المهمة هو كيف يستطيع وضع صيغة لسحب القوات الأميركية من الأراضي العراقية ـ فوريا أو بالتدرج ـ دون أن يترافق مع ذلك أو ينشأ عنه خسارة سياسية جسيمة تحيق بالولايات المتحدة.
لكن حتى لو أراد بيكر أن يختزل مهمته في إنقاذ الولايات المتحدة فانه سيجد من الصعب اختراع معادلة معقولة. فالانسحاب الأميركي سيعني ببساطة إهداء العراق إلى إيران.
التاريخ قد يعيد نفسه في هذه الحالة، فعندما اكتمل الخروج الأميركي من الأراضي الفيتنامية عام 1975 قامت على الفور الدولة الفيتنامية الشيوعية الموحدة.
والآن إذا جرى انسحاب أميركي من العراق فان طموح الشيعة قد لا يتوقف عند إنشاء دولة شيعية محدودة في الجنوب العراقي وأجزاء من الوسط. فربما يؤول العراق بأكمله إلى نظام حكم شيعي مدعوم إيرانيا.
أجل.. مهمة بيكر صعبة وأولى الصعوبات التي ستواجهه هي كيف ومن أين يبتدئ؟