الشعب الفلسطيني، كان يتوقع من قياداته السياسية عيدية «حرزانة»، هذه السنة، مع حلول عيد الفطر المبارك. سمع كثيراً عن حكومة «وحدة وطنية» قادمة. ازداد تفاؤله عندما زفوا إليه خبر حصول توافق على تشكيل مثل هذه الحكومة.

هبطت آماله عندما نشبت خلافات مفتعلة وتراجع عن الاتفاق. ثم عادت وانتعشت بعض الشيء عندما عادت الأطراف المعنية ـ بالتحديد فتح وحماس ـ إلى الحديث عن استعدادها وتأكيدها على أهمية تحقيق هذا الإنجاز الوطني، الذي طالما تطلع إليه الجميع. على الأقل حسب ما زعموا. لكن جاء العيد الكريم ولم يلق الفلسطينيون غير الخيبة.

مشروع مثل هذه الحكومة وصل إلى طريق مسدود. بل أكثر. فالمقدمات ترسم صورة قاتمة للآتي من الأيام، بعد الإجازة.

استؤنفت وبقوة، حرب الاتهامات. القطيعة بين الرئاستين متواصلة، حركة الاحتجاج على الرواتب تأججت ورجعت إلى الشارع، عادت عمليات الهجوم على مؤسسات حركية، وقعت اغتيالات ـ قيادي من شهداء الأقصى ـ فيما الاتفاق على حقن الدماء بين فتح وحماس، لم يجف حبره بعد.

إضافة جديدة دخلت على الخط، يمكن تصنيفها تحت عنوان حرب النكايات. وهي مرشحة للتفاقم. حماس تهدد بنشر قوة تنفيذية ـ أمنية في الضفة والقطاع. الرئيس الفلسطيني يلوح بخيار حكومة تكنوقراط وطنية، بعد حل حكومة حماس. تهدد هذه الأخيرة بإسقاط أية حكومة في البرلمان؛ من خلال الأغلبية التي تتمتع بها.

وهي تردد أن السلطة «تتآمر» لإسقاط حكومتها. ترد السلطة بأن «حماس» تعرقل قيام حكومة وحدة وطنية. الوساطات فشلت في حمل الفريقين على التزحزح. التشبث بالمواقف هو البضاعة الوحيدة المتداولة. والمسألة صارت اختبار قوة وصراعاً سلطوياً بينهما.

التلطي بالشعارات وبأصول اللعبة الديمقراطية، صار للاستهلاك. وقد باتت غاياته مكشوفة. لم يعد ينطلي، بعدما فقد صدقيته. في الحالات المشابهة، يصار عادة إلى اعتماد الحلول الانتقالية، كمخرج من حالة الشلل وكخطوة استباقية لتنفيس التأزيم. خاصة إذا كانت فسحة التلاقي قد تلاشت تقريباً؛ كما هي حال الوضع الفلسطيني.

وإجمالاً يكون المخرج بالقبول بتركيبة حكومية برانية اختصاصية، لا تثير الاعتراض ولا المخاوف؛ باعتبارها من خارج حلبة المصارعة. ومثل هذا الخيار يفترض أن يكون مقبولاً بل مطلوباً، في الحالة الفلسطينية التي تكاد الخيارات تكون معدومة أمامها.

فالاحتلال الإسرائيلي جاثم على صدرها. ومطارداته العدوانية لها لا تتوقف؛ من عمليات الاغتيال وإعادة احتلال أجزاء من شمال غزة، والتهيؤ لاجتياح القطاع من جديد كلها باتت وجبة يومية روتينية، على الشعب الفلسطيني أن يتناولها. كل ذلك والأزمة الداخلية تتفاقم والتوتر يبلغ ذروته.

والاحتكام للسلاح لا يكف عن إثبات حضوره، من خلال التصفيات الرامية إلى إشعال الفتنة. بل يبدو أن ثمة إصراراً على دفع الأمور في هذا الاتجاه؛ بالرغم من التطمينات على عدم اجتياز مثل هذا الخط الأحمر.

الأزمة السياسية الفلسطينية المستفحلة، فرخت أزمات كثيرة، لا تطاق. الشعب الفلسطيني ينوء تحتها ويكتوي بنارها. مرارته الداخلية تكاد توازي معاناته على يد الاحتلال. وذلك منتهى الخيبة وذروة الوجع الوطني.