المساعي المحمومة التي تبذلها الإدارات الأميركية المتعاقبة عموماً وإدارة الرئيس بوش الحالية خصوصا لمنع بعض دول العالم من امتلاك أسلحة باليستية أو نووية أو أسلحة دمار شامل لا يمكن أن تصب سوى في إطار واحد وحيد وهو الحيلولة دون ظهور قوة أو قوى موازية لها في القوة وبالتالي قادرة على أن تحدث خللا ما في ميزان القوى العالمي يمهد الطريق أمام عودة ثنائية القطبية أو أكثر.
ما الفارق التي ستشعر به البلدان غير المنضوية في عضوية النادي النووي العالمي، والتي تشكل الغالبية العظمى من بلدان العالم، إذا زاد عدد أعضاء هذا النادي واحدا أو اثنين أو ثلاثة أعضاء أو أكثر؟
من منكم يا سادة البيت الأبيض رأى أو تناهى إلى مسمعه أن كوريا الشمالية هاجمت بلدا مثل العراق أو أفغانستان أو أن لبنان غزا إسرائيل فليتفضل ويبلغنا بذلك حتى نعرف شغلنا معهما ونفرض عليهما القطيعة وربما نشن عليهما الحرب إمعاناً منا في زيادة معاناة الشعب الكوري الشمالي أو اللبناني، اللذين لا ينقصهما شيء في ميدان اختبار أبشع أوجه المعاناة الإنسانية.
ثم ألم يتساءل أصحاب الدعوات إلى فرض عقوبات على الدول التي تحاول إنتاج أو امتلاك التكنولوجيا النووية حول من الذي استخدم فعلا السلاح النووي أو الباليستي أو أسلحة الدمار الشامل في غير واقعة في التاريخ المعاصر بدءاً من هيروشيما وناكازاكي ومرورا بالعراق وأفغانستان ولبنان وفلسطين والله وحده يعلم أين وجهة استخدام هذا النوع من الأسلحة الفتاكة في المرة القادمة.
في موازاة ذلك، تدعي الإدارة الأميركية وحلفاؤها أنهم ماضون قدما في حربهم المقدسة ضد ما يسمونه إرهاباً، بينما الحقيقة المرة تشير وبكل وضوح إلى أن إرهاب الدولة أو الدول مجتمعة الذي يمارس على نطاق واسع لا يضاهيه أي أعمال عنف في العالم بعد أن تبث بالملموس أن حربهم الجائرة على العراق قد أودت بحياة أكثر من 655 ألف مواطن عراقي.
وبعد أن ثبت بطلان وتعدد وتبدل ادعاءات هذه الإدارة المارقة حول أسباب هذه الحرب حينما ادعت أولا أن نظام صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل ومن ثم أعقبت هذا الادعاء بأنها تنوي جلب الديمقراطية للعراقيين وللمنطقة عموما ومن ثم أعقبت ذلك بذريعة الحرب ضد الإرهاب في أرض لم تعرف قط أي نوع من التشدد الديني قبل الغزو الأميركي لها.
وها هي هذه الإدارة المتبجحة تحاول من جديد إدراج قضية بيونغ يانغ في إطار حربها المزعومة ضد الإرهاب. فلقد نصت وثيقة إستراتيجية القومي للولايات المتحدة التي حدثت عام 2006 الجاري على أنه ثمة «أخطار قليلة أكبر من خطر حصول هجوم إرهابي بأسلحة الدمار الشامل ولتجنب أو الحيلولة دون وقوع مثل هكذا أعمال عدائية، فإن الولايات المتحدة ستتحرك بصورة وقائية إذا استدعت الحاجة لذلك ».
لقد مارست الولايات المتحدة ومن بعدها المجتمع الدولي بأسره سياسة ازدواجية المعايير على غير صعيد لكن تكرار هذا النوع من الممارسات الوقحة لا يمنع الوقوف عليها وعندها في كل مرة تشيط رائحتها فيها. فلقد بات مؤكدا أن ما يعرف بحظر الانتشار النووي ليس قانونا ولا مبدأ مجردا أو موضوعيا، ذلك أنه لا يطبق إلا في حالة واحدة فقط وذلك عندما تكون الجهة التي تحاول امتلاك تكنولوجيا أو أسلحة نووية لا تسير في ركب سيد البيت الأبيض ولا تحقق له مصالحه ومصالح الدولة العبرية.
إن مثل هذه الممارسة الإضافية المتعنجهة لا تحيل الناظر إلى السؤال حول ما تفعله الإدارة الأميركية بحق الإنسانية حتى الآن فحسب، بل حول ما الذي لم تفعله بعد وهي على أبواب الرحيل عن البيت الأبيض ولا يهمها البتة إن أحرقت جميع أشرعتها.
الشيء بالشيء يذكر. فصحيح أنه ما كان ينبغي على بيونغ يانغ أن تركب رأسها وتخطو خطوة تصعيدية جديدة باتجاه تثبيت نفسها في عضوية النادي النووي العالمي، لكن الأصح هو أنه يتعين على كل من صوت لصالح القرار 1718 أن يسأل نفسه والبلدان المعنية التي تمتلك أسلحة دمار شامل السؤال التالي: من أعطى دول النادي النووي العالمي التسع فضلا عن إسرائيل رخصة بامتلاك أسلحة فتاكة من هذا الطراز؟
ثم لماذا لا تجعل نفسها قدوة للآخرين وتبدأ بتفكيك ترساناتها النووية التي لا مجال لمقارنة قوتها على القتل مع ما تحاول بيونغ يانغ الحصول عليه بصورة متواضعة.