هذا العام التفت ألفريد نوبل بابتسامته إلى المصرفي البنغالي محمد يونس ومصرفه جرامين اللذين منحتهما لجنة نوبل جائزة السلام مناصفة في 13 أكتوبر الحالي. وهي المرة الأولى التي تمنح فيها جائزة نوبل لشخص ومؤسسة من عالم المال.

ابتداء من عام 1901 تم تسليم جائزة نوبل للسلام 87 مرة. وكان الحائزون عليها هم في الغالب من السياسيين ونشطاء حقوق الإنسان وقادة المنظمات الاجتماعية ورجال الدين.

كما حصل عليها ثمانية كتاب وثلاثة أطباء وأربعة علماء طبيعيين ومهندس معماري واحد. وفي حالات كثيرة عانت سياسة اختيار المرشحين من سطوة النفوذ الأميركي، خصوصا عندما يتعلق الأمر بشؤون السياسة الدولية. أما في الحالة التي نحن بصددها فقد ذهبت الجائزة على العنوان الصحيح.

استحق يونس ومؤسسته الجائزة للجهود في محاربة الفقر وحفز التنمية الاقتصادية الاجتماعية من الأسفل. «أثبت يونس ومصرف جرامين لكل الحضارات والثقافات أنه حتى أفقر الفقراء يمكن أن يعمل على تطوره الذاتي» - قال إعلان لجنة نوبل أثناء تسليم الجائزة ليونس. يونس قال للتلفزيون النرويجي مبتهجا :

«هذا مدهش جدا، وببساطة غير متوقع». وقد شاركه دهشته ببعض التفسير رجل المال الروسي الشهير ألكسي رودزيادنكو، والذي يدخل أيضا ضمن مجلس مدراء شبكة القروض الصغيرة للنساء حين قال : «بدا أن منح جائزة نوبل لرجل مال أمرا غريبا بالرغم من أن المعنى الاجتماعي للقروض الصغيرة كبيرا» («فيدوموستي»، العدد 194، موسكو).

تعلم يونس الاقتصاد بمساعدة برنامج فولبرايت الأميركي للمنح الدراسية. بعد إنهاء دراسته عاد إلى بنغلاديش في جامعة واندربيلت الأميركية عام 1974. أثناء تجواله مع الطلبة في قرية تدعى جوبرا سأل امرأة متميزة في حرفة الكراسي المصنوعة من البامبو عن الدخل الذي تحققه. تبين أنها تربح سنتين من المواد التي تشتريها بتسعة سنتات اقترضتها.

وعلى الفور قدم يونس لجماعة القرية قرضا سريعا بمبلغ الديون المجمعة عليهم. أدرك يونس أن غياب الرافعة الإقراضية تشكل واحدة من أهم مشاكل بنغلاديش الزراعية الحرفية وابتكر مصطلح القروض الصغيرة (الميكرو كريدت) للقرويين المدقعين. وبعد سنتين أسس مصرف غرامين (وتعني القروي بالبنغالية).

وبدأ يقدم القروض للفقراء الذين لا يستطيعون مواجهة المتطلبات التقليدية التي تتبعها المصارف. النظام الذي أوجده يونس أصبح يسمى «التمويل الصغير». وبخلاف غالبية المصارف يبرم غرامين مع زبونه عقدا لا يتضمن أية أحكام تسمح للمصرف بمطالبة المقترض باسترداد الدين. فالمصرف يقدم عادة لكل عدد من أفراد الجماعة قرضا واحدا مشتركا يسددونه جميعا بحصص متساوية.

وإذا ما توانى أحدهم عن السداد وقع الجزاء على الجميع. وبهذا ابتكر يونس.. طريقة جديدة في السياسة الإقراضية، حيث استبدل ضمان الرهن بما سمي «ضغط الشراكة»، كما يقول مدير المعهد الأوروبي لأبحاث آسيا وليم فاندر جيست.

خلال ثلاثين سنة بلغ مجموع القروض التي قدمها جرامين 72, 5 مليارات دولار، استرجع منها 07 ,5 مليارات دولار (6 ,88%). واليوم يخدم هذا المصرف 61 ,6 ملايين مقترض، 97% منهم نساء. ولمصرف جراغين الآن 2226 فرعا تعمل على إقراض قرى بنغلاديش البالغ عددها 71371 قرية.

كما أسس غرامين صناديق في 22 بلدا. سمح هذا النظام بخفض نسبة الفقر في بنغلاديش بمقدار 10% خلال خمس سنوات، الأمر الذي يبعث على الأمل بأن تستطيع دولة بنغلاديش الأكثر فقرا في العالم تطبيق أهداف برنامج الأمم المتحدة لمكافحة الفقر بخفض نسبته إلى 50% حتى عام 2015.

واستطاع يونس ببرنامجه «ميكرو كريدت» أن يحسن معيشة 70 مليون شخص من مجموع سكان بنغلاديش البالغ عددهم 5,131 مليون نسمة عام 2001. وهو ما لم يستطع فعله أثرياء في مختلف دول العالم، بما فيها دول مجلس التعاون الخليجي.

وإذا كانت المصارف التقليدية تبذل جهودا وتستخدم وسائل مرهقة لزبائنها لكي تحقق على حسابهم أرباحا طائلة، فإن مصرف جرامين كان صديقا حقيقيا لزبائنه ويتقاسم معهم المنفعة بما يحقق مبدأ العدالة الاجتماعية. ورغم شروطه المتهاونة مع جميع زبائنه فقد شكل العائد على رأس المال 21% عام 2005 مقارنة ب9% عام 2004.

وفي عام 2005 حقق مصرف جرامين دخلا بلغ 4,112 مليون دولار، وبلغ صافي ربحه 2,15 مليون دولار. وتمتلك حكومة بنغلاديش 6% من أسهم المصرف.

بعد هذه النجاحات أخذ الكثير من الحكومات ورجال الأعمال من ذوي الهم الاجتماعي بتجربة يونس في بنغلاديش. والآن يوجد في العالم حوالي عشرة آلاف مؤسسة تمارس الإقراض الصغير عدا المصارف الحكومية والتجارية. وحسب قمة حملة ميكرو كريدت تم خلال عام 2005 تقديم أكثر من 100 مليون قرض صغير حول العالم مقابل 5 ,13 مليونا فقط عام 1997. ويشكل النساء غالبية تصل إلى 80% من المقترضين.

وقد ولد الإقراض الصغير نوعا جديدا من النشاط المتاخم له - التأمين الصغير الذي عملت في مجاله شركات ومنظمات خيرية كصناديق بيل وميلندا غيتس، وكذلك Munich Re Foundation التي أسستها الشركة الأم Munich Re لإعادة التأمين، وغيرها من المؤسسات التي تسهم بدورها الملحوظ في برامج مكافحة الفقر.

«لا يمكن بلوغ السلام الوطيد ما لم تتهيأ للمجاميع الاجتماعية الضخمة طريقة لخروجها من الفقر»، ـ قالت لجنة نوبل مبررة اختيارها، وأضافت «لقد بين محمد يونس ومصرف جرامين أن القرض الصغير (ميكرو كريديت) يلعب دوراً مهماً في النضال المتواصل ضد الفقر». ومن جديد قرر يونس توظيف الجائزة البالغ قيمتها 4 ,1 مليون دولار لمكافحة الفقر.

فهو ينوي تخصيص مبلغ الجائزة لبناء مستوصف لعلاج العيون ومحطة لتنقية المياه. إنه يؤمن بأن محاربة الفقر «تساعد كل إنسان كي يجد السلام في قلبه. فعندما يئن الإنسان تحت وطأة الفقر لا يستطيع أن يحترم ذاته». وقبلاً قال الروائي العالمي الشهير فيودور دوستوفسكي : «الإنسان الفقير شكاك تجاه كل شئ. إنه يشعر بأنهم يضطرونه لدفع كرامته ثمنا للخبز وللملاطفة».

قصة يونس، حامل جائزة نوبل للسلام رسالة مفتوحة يبعث بها فقراء العرب إلى أثريائهم : اقرؤوها والتفتوا لنا لعل ألفرد نوبل يلتفت إليكم بابتسامته أيضا.

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com