تسعى تركيا جاهدة لتحقيق حلمها بالانضمام للاتحاد الأوروبي، وقد قبلت شروط العضوية المؤهلة لقبولها في النادي الغربي، وهي شروط عديدة ومتنوعة، التزمت بها تركيا إثر اتفاق لوكسمبورغ، أكتوبر العام الماضي، بناء على مفاوضات مع المفوضية الأوروبية تستغرق عشر سنوات، وتخضع فيها تركيا لمراقبة المفوضية للتأكد من تحقيقها لروشتة الإصلاح الغربي وطبقاً للثوابت الأوروبية في مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات الأساسية ودولة القانون.
وقد تعهدت تركيا بتلبية المطالب الأوروبية عبر إجراء سلسلة من التدابير والإجراءات بهدف إدخال إصلاحات سياسية تكفل الحريات وتحترم حقوق الأقليات، وإصلاحات اقتصادية تفتح أسواقها وتضمن حرية تنقل السلع والخدمات وتزيل الحواجز الجمركية.
وتلغي الدعم لصالح التنافس الحر، وإصلاحات تشريعية تتضمن تطوير النظام القضائي وتعدل التشريعات وتلغي عقوبة الإعدام وتلتزم بالثوابت التشريعية الأوروبية الخ. ولن تعطي المفوضية أية ضمانة فعلية لنيل العضوية الكاملة إلا بعد الاطمئنان على التحول التركي واكتمال الأهلية.
بدأت تركيا المشوار الطويل وخطت خطوات إصلاحية وأعلنت أنها حققت العديد من المعايير الديمقراطية المطلوبة، ولكن المفوضية الأوروبية لا تشاطرها الرأي فهي لا زالت قلقة من بطء الإصلاحات، وأعلن رئيس المفوضية (باروزد) مؤخراً، أنه لا يمكن توقع انضمام تركيا قبل (15) أو (20) سنة، ويتوقع تقديم سجل غير جيد عنها. في مجال الإصلاحات في الثامن من نوفمبر المقبل.
ويبدو أن سوء الحظ يلاحق الحكم التركي في ركوب القطار الأوروبي فقد طرأ على الساحة مؤخراً حدثان متزامنان زادا الأمر تعقيداً.
الحدث الأول: إقرار البرلمان الفرنسي لقانون (مذبحة الأرمن) في القراءة الأولى، وهو قانون إذا تم إقراره من قبل مجلس الشيوخ والرئيس الفرنسي فإنه يؤثر على علاقة تركيا بالاتحاد، فالقانون ينص على تجريم كل من ينكر مذبحة الأرمن على يد العثمانيين وقتل فيها أكثر من مليون أرمني في الفترة (1915-1917).
وتركيا تنفي ذلك وتقلل العدد كثيراً وتعلله بحصول اقتتال عام سقط فيه الضحايا من الطرفين، ولذلك اشتد غضب الأتراك وتصاعد الاحتجاج الشعبي ضد فرنسا وخرج المتظاهرون يطالبون بمقاطعة المنتجات الفرنسية وإقصاء الشركات الفرنسية، وتعد تركيا من شركاء فرنسا التجاريين الأساسيين ويبلغ حجم الواردات الفرنسية إلى تركيا (7 ,4) مليارات يورو سنوياً.
ورغم أن شيراك اتصل بأردوغان معبراً عن أسفه للقانون وواعداً بأن يبذل ما في وسعه خلال العملية المقبلة، وأردوغان بدوره حاول التهدئة وتغليب العقلانية على العاطفة، نظراً لتداخل المصالح الاقتصادية وقد تسيء إلى الأتراك أكثر من الفرنسيين، إلا أنه بات واضحاً إن إقرار القانون في قراءته الأولية معبر عن عمق الشعور المناهض لتركيا عند الفرنسيين فقد بلغت نسبة المعارضين لانضمام تركيا للاتحاد 60% من الفرنسيين.
وهذا التصويت الأولي من جانب آخر يعزز موقف القوميين الأتراك والمعارضين لانضمام تركيا للاتحاد وقد بين استطلاع تركي عقب إقرار القانون تدني نسبة المؤيدين للانضمام من 70% إلى 50%.
الحدث الثاني: حصول الروائي التركي (باموق) على جائزة نوبل للآداب، وقد جاء في حيثيات استحقاقه للجائزة (لبحثه عن الروح الحزينة لمدينته ليكتشف رموزاً جديدة للصراع بين الثقافات والتشابك الحضاري) ومن المفارقات أن هذا الكاتب التركي، الذي يحتفي به العالم لشجاعته ودفاعه عن حقوق الإنسان في بلاده، غير مرغوب فيه في بلاده وملاحق من قبل محاكمها بسبب دفاعه عن الأرمن والأكراد وتصريحه في فبراير 2005 لمجلة سويسرية أن (مليون أرمني و30 ألف كردي، قتلوا على هذه الأرض، لكن لا أحد غيري يجرؤ على قول ذلك) .
وهو حديث يكسر (التابو) المحرم في تركيا، ومن يجرؤ عليه يعد مرتداً أو خائناً في نظر الأتراك وبخاصة لدى القوميين المتطرفين الذين يعميهم التعصب للهوية القومية لدرجة إنكار الحقائق التاريخية، ومثلهم في ذلك مثل دعاة التصادم عندنا الذين يقدسون التاريخ الإسلامي فلا يعترفون بأخطائنا تجاه غيرنا بل يلومون الآخرين .
ويطالبونهم بالاعتذار، لكن الغريب في الموضوع التركي أن يتطور فيعده القضاء التركي (إهانة للأمة التركية) وهي جريمة يعاقب عليها بالسجن، والأغرب أن الحزبين المتنافسين: الإسلامي الحداثي والقومي المتشدد يتنافسان في إنكار الإبادة الأرمنية كما يقول خالد الحروب.
الآن: لنتساءل: لماذا أقر القانون الفرنسي بتجريم إنكار (إبادة الأرمن) ـ الآن ـ؟ إذا كان من أجل إنصاف إنساني لطائفة ظلمت، فإن البرلمان الفرنسي أقر عم (2001) قانوناً (يعترف) بحصول المجازر ضد الأرمن وكان هذا كافياً، فلماذا الإضرار بمساعي تركيا الأوروبية؟ ولماذا معاقبة الأفكار في بلد الحريات كما يقول عبد الرحمن الراشد؟!
ولماذا يتدخل البرلمان في أمر تاريخي ويثير (حرب ذاكرة) مسبباً الإضرار بالمصالح الاقتصادية للبلدين؟!
للإجابة على هذه التساؤلات علينا استحضار مقولة (أوروبا تجد نفسها بعقلها) مع الانضمام التركي لها لما في ذلك من مصالح اقتصادية واستراتيجية وأيضاً يعطي صورة أن أوروبا ليست نادياً للمسيحيين بل هي منفتحة على الأديان والثقافات المختلفة، ولكن (بقلبها) متوجسة وليست مطمئنة لهذا الانضمام، لجملة من الأسباب، أبرزها:
1- الصورة السلبية المختزنة في الذاكرة التاريخية الغربية تجاه المسلمين ولا زالت حية في الخيال الجمعي وبخاصة تجاه (الأتراك) الذين كانوا على احتكاك دموي مع الأوروبيين وانتهى بسقوط (قسطنطينية) عام (1453) على يد محمد الفاتح، إذ لا تزال المشاهد المأساوية لسقوط المدينة والضحايا تعمل فعلها في النفسية الجمعية الأوروبية.
2- ما أسفر عنه الوجود الإسلامي في الغرب عبر نصف قرن من ثقافات وممارسات مغايرة بل مصادمة لثقافة وممارسات المجتمع الغربي، فإذا كان المسلمون الذين عاشوا طويلاً بين ظهراني الغربيين لم يندمجوا فكيف بالأتراك وهم خارج الإطار الأوروبي؟ النقاب أصبح مشكلة في بريطانيا، ترى لماذا إصرار المسلمة العاملة بالغرب على النقاب؟
3- ما خلقته تفجيرات أتباع القاعدة في أوروبا من هلع وخوف في نفوس الأوروبيين تجاه المسلمين عامة.
4- بروز وتنامي نفوذ اليمين المعادي للوجود الإسلامي وللهجرة والذي يكتسب أعواناً وأصواتاً كل يوم.
5- استخدام الحد من الوجود الإسلامي كورقة انتخابية تنافسية وبخاصة ضد الانضمام التركي.
اليوم تجد تركيا نفسها في موقف تحدي وأمامها خياران: أسلوب المكابرة والإنكار الشرقي وأسلوب الاعتراف والمراجعة الغربي فإذا كانت مصممة على تحقيق حلمها الأوروبي عليها أن تتصالح مع ذاكرتها كما قال شيراك وكما نادى كاتبها العالمي ـ ضميرها اليقظ ـ لتتجاوز عناد المكابرة والإنكار إلى رحابة الاعتراف والاعتذار.
كاتب قطري