نحن أمام مشهدين متناقضين : في المشهد الأول، دولة مغلقة، من بقايا الدول ذات الأيديولوجيا الشمولية. دولة تعاني الفقر، والجفاف، والجوع، والكوارث الطبيعية المتتالية.

وفي المشهد الثاني، تتضخم الآلة العسكرية في الدولة ذاتها، وتتطور في مختبراتها السرية تكنولوجيا الصواريخ بعيدة المدى، وأخيراً تنطلق التجربة النووية الأولى في شبه الجزيرة الكورية بعد أخذ ورد شغل العالم على طاولة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.

وفي العودة التاريخية للحرب الكورية الأميركية عام 1950، تستعيد بيونغ يانغ تصريحات الجنرال الأميركي ماك آرثر الذي ألح على قيادته وعلى الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور استخدام السلاح النووي الموضعي التكتيكي ضد قوات كوريا الشمالية، عبر الموافقة على اطلاق بعض القذائف النووية بواسطة مدافع الهاوتزر بعيدة المدى.

وذلك بعد الاسناد العسكري الصيني لقوات الرئيس كيم ايل سونغ. فـ (بيونغ يانغ) أرادت استعادة صورة التاريخ الماضي، لتخبر واشنطن بأن تهديدات الردع النووي في الخمسينات من القرن الماضي في شبه الجزيرة الكورية، أصبح ميتاً بحكم امتلاكها للتكنولوجيا ذاتها التي هددتها بها واشنطن، وبحكم التقادم الزمني، وعليه أطلقت بيونغ يانغ قفازاتها النووية على مسمع ومشهد العالم.

فبعد اقلاع كوريا نووياً، وبعد أن أكد الرئيس الكوري الشمالي جونغ إيل بأنه «لايوجد حدود أميركية قادرة على كبح ارادة الدول في امتلاك الطاقة النووية» لأغراض سلمية أو حتى غير سلمية من جانب.

وأن «السياسة القائمة على استحضار منطق القوة قادرة على فرض نفسها» من جانب آخر، كانت التجربة النووية الكورية بمثابة نقطة تحول في موازين القوى العالمية في الشرق الأقصى. فأقدمت بيونغ يانغ على تلك الخطوة المدوية لدق الجرس أمام أميركا أو اليابان أو ربما الصين وروسيا بأن لها أظافر أيضاً.

وتستطيع أن تؤثر بها وأن تؤلم أعداءها، كما في سعيها لجر الدول المذكورة، خصوصاً الولايات المتحدة الى طاولة المفاوضات للبحث في فك الحصار المضروب على الشطر الشمالي من شبه الجزيرة الكورية منذ الخمسينات من القرن الماضي، وهو حصار لم يتأت عنه سوى استمرار السياسة الكورية الشمالية ذاتها وفق النهج الذي قامت عليه منذ مؤسس النظام الشيوعي الرئيس كيم ايل سونغ.

بعد هذا، فان الدولة العبرية الاسرائيلية الصهيونية تتلعثم، وتتعلم الدرس بأنها لن تبقى وحدها تمسك بالأزرار النووية في الشرق الأوسط على المدى البعيد، باعتبار أن المدد التكنولوجي النووي الكوري قد يصل الى المنطقة على شكل مساعدات تقنية، وتكنولوجية.

وعليه، فان مصدر القرار في اسرائيل والولايات المتحدة «قام ولم يقعد» مع تطور «ميزان الرعب» في العالم، بدخول دولة جديدة النادي النووي.

لكن المفارقة تتضح بأن العالم لم يحرك ساكناً مع تطور ميزان الرعب في الشرق الأوسط بشكل متسارع طوال العقود الماضية، التي أمست خلالها الدولة العبرية الصهيونية تملك أكبر ترسانات السلاح النووي في المنطقة، وبدرجة تقارب ماتملكه بعض الدول النووية الخمسة الأولى في العالم، بينما تصبح كل من الهند والباكستان وايران وكوريا الشمالية أمامها دولاً تملك تكنولوجيا نووية بدائية.

وفي الداخل الاسرائيلي، التجربة النووية التي نفذتها كوريا الشمالية أثارت قلقاً شديداً، ولا سيما في ضوء التأثير الذي يمكن ان يكون لذلك على المسألة النووية الايرانية. وحسب المعلومات التي بحوزة الولايات المتحدة وبعض المعلومات التي نشرتها وسربتها الصحف العبرية، فان هناك أدلة على أن علماء النووي الايرانيين بنوا رأساً متفجراً مرشحاً للتركيب على خرطوم صاروخ أرض - أرض من طراز شهاب 3 بل ونفذوا 3 تجارب لاطلاقه.

وقد اُستخدم في التجربة رأسا متفجرا فارغا ضم كل العناصر التي يفترض بها أن تنفذ التفجير النووي على ارتفاع بضع مئات من الامتار فوق سطح الارض. وعليه، هرعت اسرائيل تطالب برد دولي حاد وناجع على التجربة الكورية الشمالية، قبل أن يتسع نطاق الدول المالكة للطاقة النووية.

وحسب اسرائيل فالدرس «الذي يمكن لايران ان تستخلصه هو أن الاسرة الدولية غير قادرة على منع دولة مصممة على التزود بالنووي، حتى عندما تفرض عليها عقوبات وتكون معزولة». لقد حركت التجربة النووية الكورية الشمالية زوبعة كبيرة، وحركت عدادات اجهزة رصد الزلازل، لكن ترسانة اسرائيل النووية لم تحرك العالم بالرغم من فظاعتها وهول ماتحتويه من رعب مخيف.

فقد سعت الدولة اليهودية على الدوام لامتلاك كل أسباب القوة وأشكالها المختلفة وخصوصاً الاسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية خوفاً من الزوال، ونتيجة للاحساس الذاتي بالرفض من كل دول المنطقة، وتوصل قادة الكيان العبري الاسرائيلي إلى أنهم بحاجة ماسة الى امتلاك أحدث وأقوى تقنيات أسلحة الدمار الشامل على أمل ان يساعد امتلاكهم لها على ايجاد التوازن بينهم وبين دول المنطقة، ويجلب لهم الاستقرار كدولة اقليمية متطورة القوة، وتتمتع بالقدرة على الهيمنة وبسط النفوذ.

ان الخوف الاسرائيلي من امتلاك كوريا والباكستان تكنولوجيا الطاقة النووية حتى للاستخدام السلمي، مرده الرئيسي يعود لأسباب تتعلق بعدوانية اسرائيل ذاتها، التي تريد من نفسها دولة ردع نووي في المنطقة والعالم، تحمل الجزرة بيد والعصا النووية المرعبة باليد الثانية ضمن دائرة يمتد نصف قطرها من فلسطين الى الباكستان شرقاً، ودول المغرب العربي غرباً.

ان القيادة الكورية الشمالية بهذا التفجير النووي المثير، تجد نفسها وفق المنطق الاسرائيلي المعبر عنه رسمياً «في وضع يعمق التحالف الثلاثي الافتراضي بين بعض الدول التي تدعوها بدول محور الشر» خصوصاً وأن الرد الأميركي على التجربة النووية الكورية ما زال في مرحلة الخلاف على الخيارات بالرغم من القرار الأخير لمجلس الأمن.

وهو القرار المخفف نتيجة الدور الروسي والصيني «المتوازن»، فتشديد الحصار على كوريا الشمالية كما تقترح واشنطن على المجتمع الدولي حتى بعد صدور القرار الدولي، لا يبدو خياراً مجدياً، طالما ان تلك الدولة المغلقة تعيش في شبه عزلة كاملة منذ خمسة عقود، وهي لا تعرف معنى الانفتاح أو التواصل او حتى التجارة مع بقية دول العالم.. كما أن الضربة العسكرية لم تعد خياراً مناسباً طالما أن التكنولوجيا النووية الكورية الشمالية، أصبحت امراً واقعاً.

ويبقى منطق التفاوض والعودة الى طاولة الحوار بمثابة البديل الأمثل، حيث بات يتطلب إرادة ورزمة حوافز غربية اكبر بكثير من تلك التي عرضت على إيران، برغم ان كوريا ليست دولة نفطية كبرى ولا تقع على حدود اشد الازمات العالمية.

أخيراً، ان ادانة التجربة النووية الكورية الشمالية من عدمه، تتطلب قبل كل شيء، ادانة واقعة المحتوى النووي الاسرائيلي ـ الذي يضم قرابة (200) رأس نووي قادرة على تدمير نصف المعمورة عن بكرة أبيها. كما تتطلب اثارة الموضوع النووي الاسرائيلي في المحافل الدولية، ووضع اسرائيل النووية على جدول أعمال الوكالة الدولية للطاقة الذرية، واخضاع المنشآت الاسرائيلية للتفتيش الدولي، وتفكيك البرنامج النووي الاسرائيلي.

والا فان أية ادانة أو حديث عن الترسانة النووية الكورية الشمالية يبقى كلاماً هراء، بعيداً عن التوازن، مع أن اسرائيل لم تعترف في أي يوم من الأيام بأنها تمتلك اسلحة نووية، إلا ان الخبراء الدوليين يتفقون على ان تل أبيب تنتمي الى النادي النووي الذي يضم الدول النووية، ويرجحون ان قدراتها في هذا المجال تشكل المشروع النووي للأسلحة النووية الأكثر سرية في العالم قاطبة منذ العام 1956 عندما تم البدء ببناء مفاعل ديمونا في صحراء النقب بمساعدة فرنسية.

كاتب فلسطيني ـ دمشق