العيد مناسبة للفرح، لذلك عذرا إذا جاء هذا الحديث متناقضا مع المناسبة أو غير متسق معها.. ولكن أليس الأطفال هم أكبر منبع للفرح، وهم أولى الناس بالفرح، وهم أكثر الناس احتفاء بالفرح؟

في الثاني عشر من أكتوبر الجاري أطلقت الأمم المتحدة الدراسة العميقة التي تم تقديمها للجمعية العامة عن العنف ضد الأطفال. وهي الدراسة التي تمت المبادرة إليها إثر توصيات من مناقشات استمرت يومين وتناولت قضية العنف ضد الأطفال داخل العائلة وفي المدارس (2001) وعنف الدولة ضد الأطفال (2000) التابعة للجنة الأمم المتحدة لحقوق الأطفال.

وقد تضمنت الدراسة تقديم استبيانات حكومية بالإضافة إلى إجراء استشارات إقليمية فرعية ووطنية وزيارات ميدانية، وكذلك اجتماعات موضوعية للخبراء حول قضايا ومواضيع تتعلق بالعنف ضد الأطفال. كما أُخذت بعين الاعتبار مفاهيم الأطفال وتعريفهم للعنف كجزء من عملية تطور الدراسة، وقد قام الأطفال أنفسهم بإجراء مسوحات بين بعضهم البعض وتطوير الاستراتيجيات لمواجهة العنف.

وجاء في صحيفة التفاصيل الإقليمية عن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن العنف ضد الأطفال يتخذ شكل العنف الجسدي والأذى العاطفي والإهمال والاستغلال وإساءة المعاملة. وأن ذلك يحدث في البيت والمدرسة والمؤسسات التي تؤوي الأطفال، بما في ذلك دُور الأيتام والسجون، وأيضاً في المجتمع المحلي.

في الدراسة تفاصيل عن أشكال عديدة للعنف ربما لا تهمنا كثيرا في مجتمع الإمارات على وجه الخصوص لعدم وجود العوامل والبيئة المسببة لها، مثل وضع الأطفال العاملين الذين يعانون من ساعات العمل الطويلة والأعمال المرهقة تحت ظروف صعبة ومضرة،حيث تعتبر الإساءة الجسدية بالنسبة للعديد منهم جزءا من حياتهم اليومية.

وتقدر الدراسة عدد هؤلاء في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنحو 5 ,13 مليون طفل يعمل العديد منهم في أعمال ليست مناسبة لأعمارهم وتشكل خطورة على صحتهم رغم أن حجم هذه المشكلة غير معروف تماماً حتى الآن.

ما يلفت النظر في هذه الدراسة ويهمنا الإشارة إليه أمران:

أما الأمر الأول فيتعلق بأطفال فلسطين، حيث أشارت تقارير متنوعة إلى أنه ما زال نحو 375 طفلاً فلسطينياً محتجزين في سجون إسرائيلية عسكرية ومدنية. وفي بعض الحالات، تم سجن الأطفال المحتجزين مع سجناء إسرائيليين بالغين.

حيث عانوا من الإساءة الجسدية والعنف الجنسي، وقد أبلغت المنظمة الدولية للدفاع عن الأطفال عن أشكال متعددة من التعذيب الذي يتعرض له الأطفال المحتجزون كالحرمان من النوم، وعدم ملائمة أماكن الحجز من حيث المساحة، والحرمان من الطعام والشراب، ومخاطبتهم بالتهديد والوعيد، ومنعهم من استخدام المراحيض.

وتقييد أيديهم ووضع عصابات على أعينهم، ووضعهم في زنزانات انفرادية. لكن الدراسة التي تعرضت لأوضاع الأطفال الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية لم تتعرض لأطفال فلسطين الذين هم خارج السجون رغم أنهم يعيشون داخل سجن كبير فرضه عليهم الاحتلال الإسرائيلي هو في الواقع أشد قسوة من السجون العسكرية والمدنية التي يحتجز فيها الأطفال الثلاثمئة والخمسة والسبعون.

وأما الأمر الثاني فهو العنف داخل المدارس حيث ذكرت الدراسة أن العنف يقع أيضاً داخل البيئة المدرسية في عدة دول تُجيز العقاب الجسدي. وبشكل عام، يعتبر العنف النفسي هو أكثر أشكال التأديب المستخدمة شيوعاً، لكن التأديب بالضرب كثيراً ما يقع أيضاً، وتشير الدلائل إلى أن أشكالا عديدة من عنف المدارس ما زالت تُمارَس في عدة دول.

وفي عام 2005 فتح برنامج «صوت الشباب» بالتعاون مع المكتب القطري التونسي التابع لليونيسيف نقاشاً عبر الإنترنت للأطفال والمراهقين في أنحاء العالم ليساهموا بأفكارهم واقتراحاتهم حول هذا الموضوع المهم. وقد ساهم فيه نحو 250 شاباً من مناطق مختلفة ومن الدول الصناعية، ودعوا بالإجماع إلى مدارس آمنة مفضية إلى التعليم، كما دعوا المعلمين والإداريين لضمان توفير بيئة تعليمية آمنة لجميع الأطفال.

ورغم أن العقاب الجسدي محظور في مدارسنا الحكومية والخاصة إلا أن حوادث عدة وقعت في بعض المدارس تدعونا لأن نعطي هذا الموضوع ما يستحقه من عناية، مع التركيز على أن الإيذاء والعنف النفسي أشد خطورة وتأثيرا سلبيا على الطفل ونفسيته من الإيذاء الجسدي. لذلك إذا أردنا أن ننشئ جيلا سليما معافى نفسيا وجسديا فعلينا أن نربي هذا الجيل وفق أساليب لا تعرضه لأي شكل من أشكال الإيذاء النفسي والجسدي كي ينشأ على الإحساس بكرامته، وكي نزرع فيه عزة النفس التي تنبع منها عزة الأوطان التي نغرس فيه حبها والمحافظة على كرامتها.

بقي أن نشير إلى أن الدراسة ذكرت أن العنف يُستخدَم بصورة شائعة كشكل من أشكال التأديب لدى العائلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. و«العائلة» في هذه الحالة لا تقتصر على الأبوين فقط بل تشمل أفرادا آخرين ضمن العائلة الكبيرة. وهذا يدعونا إلى مراجعة طرق تربيتنا لأطفالنا واختيار الأشكال المناسبة لوسائل التأديب التي نستخدمها معهم كي لا يكون هناك إفراط ولا تفريط.

ما تخلص إليه الدراسة هو أنه رغم تنوع وخطورة هذه القضايا فغالباً ما يتم التستر على العنف ضد الأطفال ولا يُناقَش علناً إلاّ ما ندر، كما أن المعلومات المنهجية في المنطقة والمبنية على بيانات المسوحات والبحث محدودة جداً، لكنّ هناك وعيا متزايدا بالتأكيد حول هذه القضية في القنوات الإعلامية المختلفة.

ويبقى أن الافتقار إلى معلومات كافية عن حالات العنف التي لا يتم الإبلاغ عنها كالعنف في المدارس أو البيوت، والعنف في المؤسسات التي تؤوي الأطفال، أو أشكال العنف التي تندرج تحت الممارسات العرفية وثقافات الشعوب المختلفة، كل ذلك ما زال يشكل تحدياً لوضع تقديرات موثوقة لحجم المشكلة.

من حق أطفالنا علينا أن نُوْلِيَهم كل هذا الاهتمام لأنهم جسورنا التي نمدها إلى المستقبل واضعين فيها كل ما لم نستطع تحقيقه في ماضي أيامنا.

من حق أطفالنا علينا أن نوفر لهم بيئة نقية صالحة كي ينشؤوا وهم معافون جسديا ونفسيا لأنهم هم الذين يرسمون البسمة على شفاهنا.

من حق أطفالنا علينا أن نحتفي بهم لأنهم بهجة الحياة وفرح الأيام الذي نبحث عنه وسط كل هذا الركام.

كل عام وأنتم وجميع أطفال العالم بخير.

كاتب إماراتي

aliobaid2000@hotmail.com