ما قيمة اعتراف الرئيس بوش الآن بأن هناك أوجه شبه سلبية بين الحرب الأميركية السابقة في فيتنام والحرب الأميركية الحالية في العراق إذا كانت الهزيمة الأميركية التاريخية في فيتنام لم تورث الولايات المتحدة حكمة أو عظة؟
خرجت الولايات المتحدة من فيتنام بخسارة قدرها 85 ألف قتيل من أبنائها و400 مليار دولار تعادل بحساب قيمة الدولار الآن أربعة آلاف مليار وخسارة معنوية لا تقدر بأرقام تتمثل في انشقاق الأمة الأميركية على نفسها.
لماذا ومن أجل ماذا هذه الخسائر الجسيمة؟
الأهداف الأميركية المعلنة سواء في فيتنام الأمس أو عراق اليوم تفتقر إلى أي حد أدنى من المصداقية.
في تبرير إشعال الحرب ضد الشعب الفيتنامي خلال عقدي الستينات والسبعينات من القرن المنصرم قيل لنا إن الولايات المتحدة تريد «احتواء المد الشيوعي».
كانت الثورة الفيتنامية المسلحة بزعامة «هوشي منه» قد حررت شمال البلاد وأقامت فيه «جمهورية فيتنام الديمقراطية» في ظل نظام اشتراكي. وهنا دخلت الولايات المتحدة على الخط لمنع انتقال المد الثوري إلى جنوب البلاد. ومن أجل هذه الغاية التي من خلالها تفرض أميركا نفسها وصيا على البشر أعلنت الحرب.
في الحالة العراقية تغير الهدف الأميركي ثلاث مرات خلال ثلاث سنوات. فقد قيل للعالم أولاً إن الهدف هو تجريد عراق صدام من أسلحة دمار شامل ثبت أنها أسطورة من الخيال الخبيث.. ثم تحول الهدف إلى «نشر الديمقراطية» ليكون العراق نموذجاً مثالياً يحتذى به في منطقة الشرق الأوسط ولاحقاً قيل إن الحرب في العراق تمثل أحد فصول الحرب الأميركية العالمية على «الإرهاب».
وسواء في فيتنام أو العراق أو غيرهما فإن الحقيقة التي يحظر البوح بها في الولايات المتحدة هي أن الحروب الأميركية تدبر وتشن من أجل مصالح شركات السلاح الأميركية العملاقة لضمان أن عجلات مصانعها تدور دون توقف.
هذه شركات تصنع منتجات لا يمكن الترويج لها وتصريف مخزوناتها واختبار مدى فاعليتها على الطبيعة إلا عن طريق افتعال توترات خطيرة تفضي إلى اندلاع حروب.
أجل.. لقد منيت الولايات المتحدة بخسائر جسيمة في حرب فيتنام. وتتكبد الآن خسائر مماثلة في حرب العراق. ولكن هناك طرفاً أميركياً رابحاً يمكن أن يعتبر الرابح الأوحد..
وهو مجموعة متحالفة من شركات بوينج وماكدونيل دوغلاس وجنرال داينامكس التي تستفيد من تعاقدات إمدادات السلاح إلى الإدارة الأميركية ممثلة في البنتاغون، وتكون مهمات وكلاء هذه المجموعة داخل مؤسسة الإدارة الأميركية بما في ذلك الرئيس ونائبه ووزير الدفاع ومستشار الأمن القومي الخ هي تدبير حروب.
هذه هي الحقيقة المعتم عليها التي تفسر لنا لماذا يتواتر إشعال الحروب الأميركية، ولماذا لا تستخلص عبر وعظات رغم توالي الهزائم.