المأزق العراقي بدأ يرهق كل الغارقين والغاطسين فيه. وبالتحديد الأميركيون والعراقيون. نزفه أخذ يلامس حدود القدرة على الاحتمال لديهم. الاحتلال، باتت طريقه مسدودة. العنف الدموي الأهلي، إذا بقي في منحاه؛ فهو سائر نحو نحر البلد وأصحابه. لذلك رأينا أن المعنيين يتحركون، في الأيام الأخيرة، بصورة ملفتة ومستعجلة؛ باتجاه طرق أبواب وطرح بدائل؛ كانت، إما غير مطروقة وإما غير واردة؛ علهم يعثرون على مخرج من هذه الدوامة.

إدارة الرئيس بوش تتجه نحو خيارات نوعية؛ يشير الحديث المتداول عنها، بأن الأولوية لديها هي لتقليل خسائرها، في اللحظة الراهنة؛ وبما يضعها على طريق الخروج من الورطة؛ بصرف النظر عما قد يؤدي إليه ذلك من انعكاسات سلبية على المصلحة العراقية.

العراقيون، من جهتهم قاموا بمحاولة نوعية، هي الأخرى، تمثلت «بوثيقة مكة»؛ لوقف النزيف الدموي. أو على الأقل السيطرة عليه. فهل يقدرون على ترجمة هذا الاتفاق وتطويره أمنياً وسياسياً؛ وبالتالي على تحصين الوضع الداخلي وحمايته من آثار أية خطوة ملغومة قد تقدم عليها واشنطن؟

البيت الأبيض شهد اجتماعات مكثفة وعلى أعلى المستويات، الحكومية والعسكرية، للنظر في الوضع العراقي. الإدارة الأميركية حاولت التقليل من أهمية اللقاء، من خلال وضعه في إطار التشاور الدوري الاعتيادي؛ بخصوص هذا الملف.

لكن ما تسرب عنه إلى صحف أميركية وبريطانية، يفيد بأن الجلسة كانت حلقة هامة، في سياق عملية إعادة نظر باستراتيجية الإدارة في العراق؛ على الرغم من نفي الرئيس بوش ووزير دفاعه رامسفيلد، لوجود أية نية لديهم، من هذا النوع بدأ التحرك الجاد في هذا الخصوص، مع تشكيل «لجنة بيكر» التي ذهبت إلى العراق وعادت بتصور، لم يفصح عنه بعد.

لكن الوزير السابق جيمس بيكر أعطى تلميحات بشأن التوصيات التي قد يتضمنها تقرير لجنته المزمع الإفراج عنه، بعد انتخابات الكونغرس القريبة. أبرز التلميحات دار حول اقتراح العمل بانسحاب تدريجي، مع تسليم المهام الأمنية للقوات العراقية.

ورغم عدم كشفه عن أي سقف زمني؛ إلا أن جريدة نيويورك تايمز. ذكرت، نقلاً عن مصدر مسؤول في واشنطن، قوله بأن الإدارة الأميركية تزمع تسليم رئيس الحكومة العراقية «برنامجا» ـ «ما زال تحت الصياغة» ـ الخطوات التي تقررها، في هذا المجال، على أن يكون ذلك ـ أي التسليم ـ قبل نهاية العام الجاري.

وتضيف هذه المعلومات بأن واشنطن عازمة على رفع وتيرة ضغوطها على الرئيس المالكي، لإنجاز مهمة نزع سلاح الميليشيات؛ بحيث يكون الخيار أمامه كالتالي إما تنفيذ هذه المهمة، كما وعد هو نفسه أكثر من مرة؛ وإما مواجهة غابة السلاح وحده بعد الانسحابات الأميركية من المهام الأمنية؛ التي تردد أنها قد تبدأ مع دخول العام القادم.

والمعروف أن احتمال الانسحاب المبرمج كان قد أشار إليه رئيس أركان القوات البريطانية، بخصوص قواته المرابطة في جنوب العراق. وقد أثار تصريحه ضجة واسعة حملته على التراجع والتصحيح. لكن ذلك لا يغير في الاعتقاد السائد بأن الوضع العراقي بات على مدخل مرحلة مواجهة نفسه بنفسه.

من حيث الواقع الراهن على الأرض؛ مثل هذه الحالة تنطوي على مخاطر مدمرة. لكن من حيث المبدأ، بداية الانسحاب ينبغي أن تلقى الترحيب باعتبارها المدخل للخلاص من الاحتلال. فهل يقوى العراقيون على ترميم البيت والاستعداد لمرحلة ما بعد الانسحاب؛ أم يقعون في الفخ وينتهون في خراب ما تبقى من البصرة؟ عندهم الخبر اليقين.