«إسرائيل» كما هو معروف عنها، وكما هي فعلاً، لا تحتاج إلى من ينصحها بعدم استئناف محادثات السلام، فتركيبتها من أولها إلى آخرها مناقضة كلياً للسلام، وهي تركيبة عدوانية، عنصرية، إرهابية، استفزازية.
ويكفي في هذا السياق الإشارة إلى المجازر التي اقترفتها على الأراضي الفلسطينية واللبنانية، والمستمرة حتى الساعة بأشكال مختلفة، وبأشد وسائل الفتك تدميراً في الضفة الغربية وقطاع غزة.
ومع ذلك، وعلى الرغم من كل هذه العدوانية والرفض الإسرائيلي للسلام، هناك من يؤكد أن إدارة بوش تضغط ـ ولا تنصح فقط ـ على حكومة أولمرت من أجل عدم استئناف محادثات السلام على المسار السوري، وأنها أوفدت مبعوثين إلى «إسرائيل» التقوا أولمرت ووزراء إسرائيليين، وشرحوا لهم «مزايا» عدم استئناف المحادثات السلمية مع سورية، وقد تحدثت الصحافة الأميركية والإسرائيلية مطولاً حول هذا الموضوع مؤخراً.
أميركا تضغط على «إسرائيل» من أجل رفض السلام! إنها مفارقة عجيبة لا يقبلها العقل للوهلة الأولى، فكيف لدولة عظمى أو بالأصح للدولة العظمى الوحيدة في عالم اليوم تزعم الحرص على الأمن والاستقرار في المنطقة، والعمل من أجله، وتطرح نفسها راعية لعملية السلام، وهي كانت فعلاً راعية مع انطلاق مؤتمر مدريد وبعيده، أن تكون عدوانية أكثر من «إسرائيل»، التي لا تشتهر إلا بعدوانيتها، وإرهابها، وقتلها للمدنيين والأطفال؟
وللدقة والموضوعية فإن هذه المفارقة المدهشة في السياسة الأميركية هي من صنع إدارة بوش، ونتيجة لمعاركها ومواقفها الكارثية في المنطقة العربية، وهي في الوقت نفسه دليل آخر على أن أركان هذه الإدارة الأميركية من المحافظين الجدد والليكوديين حتى العظم هم أكثر ولاء لـ«إسرائيل» من وطنهم أميركا.
ومع ذلك هناك عشرات الأدلة المؤكدة لاندحار السياسة الأميركية والعدوانية الإسرائيلية معاً، فإدارة بوش تستغيث في العراق، وتستجدي عطف الأميركيين قبيل الانتخابات النصفية للكونغرس، بعد أن أكدت كل استطلاعات الرأي أن جمهوريي بوش سيخسرون أكثريتهم في المجلس التشريعي الأعلى في الولايات المتحدة.
أما «إسرائيل» فقد لُقنت درساً كافياً على أيدي رجال المقاومة الوطنية اللبنانية خلال عدوانها الأخير على لبنان، هذا العدوان الذي تحول اندحاراً مذلاً للجيش الإسرائيلي، وانتصاراً عزيزاً للمقاومة اللبنانية، ومعياراً مهماً للصراع العربي ـ الإسرائيلي.
إدارة بوش مهزومة في العراق وفي مناطق أخرى من العالم.. و«إسرائيل» مهزومة في لبنان وغزة، والأهم من ذلك مهزومة في داخلها فمَنْ ينصح مَنْ ومَنْ يضغط على مَنْ؟