في أجواء الفرح التي تعم العالم الاسلامي بحلول عيد الفطر المبارك، يتكشف حجم المأساة التي يعيشها العراق وما تفرزه وتكرسه باستمرار من خلل سياسي وفوضى أمنية وتدهور اقتصادي وحساسيات مذهبية واجتماعية لا تبدو قريبة الانفراج، في ضوء التصاعد الذي تشهده يوما بعد يوم والفشل الذي تؤول اليه كل المحاولات الاقليمية والدولية التي تتحدث عن مساع حميدة لوأد الفتنة وحقن الدماء.
آخر تلك المحاولات جاء من مكة المكرمة التي استغلت شرف الزمان والمكان لعقد اجتماع غلب عليه طابع الارتجال والعاطفية وغاب عنه لاعبون بارزون في الساحة العراقية، فوقعه الحاضرون على وقع صدامات عنيفة في العمارة، ولم يجف حبره حتى تدفقت الدماء العراقية بغزارة من جديد ودوت التفجيرات واندلعت اعمال العنف في بغداد والمحمودية والصويرة وغيرها من مناطق البلاد المختلفة.
على الطرف الآخر، تصاعدت في اميركا حالة التذمر من اداء ادارة بوش وتخبطها في المستنقع العراقي، حيث اعتبر ثلثا الاميركيين في احدث استطلاع للرأي نشرت نتائجه امس ان الولايات المتحدة تخسر في مسعاها لإحلال الأمن والديمقراطية بالعراق، مؤكدين أن بوش الذي سجل الاستطلاع تراجع شعبيته الى 35% فقط، اخطأ في اتخاذ قرار الغزو.
وتزامن ذلك مع نداء وجهه ابرز قادة المعارضة الديمقراطية في الكونغرس الى الرئيس بوش ودعوا فيه الى اعادة النظر في سياسته بالعراق «قبل ان يصل الوضع هناك الى نقطة اللاعودة». واعتبروا أن «التأجيج السريع لاعمال العنف المذهبية وتفاقم حركة التمرد وتزايد الخسائر في العراق هي أمور لم تعد مقبولة ولا يمكن ان تتواصل». وفي محاولة لتدارك ما يمكن تداركه، اجرى بوش أمس مشاورات مع القادة العسكريين الامريكيين حول تغييرات تكتيكية محتملة لاستراتيجيتهم في العراق.
وفي انتظار «اتضاح الرؤية» لبوش وقادته العسكريين بشأن استراتيجيتهم التي جلبت كل هذه المآسي والتي تهدف في النهاية لانقاذ ما يمكن انقاذه من هيبتهم المهزوزة لا الى معالجة الاسباب الحقيقية للمأساة العراقية، يجب على العراقيين تحمل المسؤولية وتجاوز حالة التهرب من مواجهة الحقيقة والتنادي بجد وإخلاص لوقف نزيف دمائهم وتدمير بلادهم بدلا من تضييع الوقت في الاعتماد على هذا الطرف او ذاك في معالجات تثير من التوترات والمشاكل أكثر مما تقدم من المخارج والحلول.