وثيقة مكة المكرمة تعتبر نقطة الانطلاق في تلاقي الفرقاء والخصوم بالعراق، وإذا ما أراد الموقعون تنفيذها، وإعطاءها الصبغة التي تليق بالمناسبة والمكان، والهدف الأسمى، فإن الرابط لذلك كله، الاتفاق على جعلها وثيقة عمل، وإطاراً لتأكيد وحدة العراقيين بجميع فصائلهم وتنوعاتهم، واعتبار ما يجري، وكل الملفات السابقة حصيلة مراحل تاريخية لا يجب فتحها إلا للاستشهاد بحالة تفرض على القيادات العليا أن لا تكون مشروع إعادة لدولاب الأحقاد والتقاتل.
الذين أيدوا مبدأ الاجتماع، وصادقوا على الوثيقة، أو الذين قاموا بالتوقيع عليها كممثلين لفصائلهم أو مندوبين عن أحد الجبهات يجمعهم هدف تحريم القتل بأشكاله المختلفة، واحترام المقدسات عند السنة والشيعة، ورعاية حقوق الجميع في جميع المعاملات والاتفاقات تحت مظلة الوطن الواحد الذي يؤوي الجميع ويحقق لهم السلام والتنمية والعيش الكريم.
الخطوة الثانية، والتي نعتقد أنها تكملة لإقرار هذه الوثيقة والعمل بها، هي أن يشهد العراق اجتماعاً آخر لكل القيادات الروحية، والسياسية، باعتبار ما يجري خارج المنطق والعقل، ومضاداً لسماحة الدين والتعايش بين الأقليات والأكثريات.
فإذا كان الموضوع، سياسياً، كما تقول جهات عراقية عديدة، فمسؤوليات الفقهاء والعلماء، وكل من له صلة بالأحداث، ولديه القدرة على إيقاف النزيف الحاد، أن يبادروا من منطلق المسؤولية الأخلاقية، والأمانة الدينية، إلى اجتماع سريع لا يرتهن إلى أي عقدة طائفية أو قومية، بل من منظور أن العراق وطن الجميع، وهو امتحان حقيقي لهذه القيادات بأن تكون البديل الملائم للسياسيين، أو من سيّسوا الدين لصالح فئة، أو حزب أو طائفة.
هناك من سيقول إن الاحتلال ووجود القوات المتعددة الجنسيات هما السبب المباشر لكل الويلات والمذابح المستمرة، إن أمريكا، وبريطانيا، كأكبر قوتين، تريدان الخروج من العراق لكن بأسلوب حفظ ماء الوجه، مع الإقرار بالورطة التي خانت حساباتها جميع المتفائلين بإصلاحات تتم تحت المظلة الأميركية، بل إن اعلان الرئيس بوش بالواقع العراقي وتشبيهه بحالة فيتنام، لم يكن مناورة، بل اعترافاً صحيحاً، وبالتالي فتلاؤم العراقيين وفق ميثاق يحترمه الجميع يكمل وثيقة مكة.
سوف لا يجعل لأي قوة على أرضه لديها الحق أو القانون بالبقاء، لأن المخاوف الأميركية لم تعد مرتبطة بحلم المكاسب الاستراتيجية والنفطية، وإنما بتشعب العراق إلى فيدرالية بثلاثة رؤوس، وثلاث دول، وبالتالي سوف يخلق تياراً إرهابياً يجد حضانته بكل الأرض العراقية، مما يهدد أمن تلك الدول وغيرها.
الطريق لوحدة العراق وأمنه، لا يُرى في واشنطن، ولا في أي عاصمة إقليمية أو عربية، وإنما يتم في الداخل العراقي، ومن خلال رجاله الذين توضع عليهم مسؤولية الحرب وتبعاتها، وبدون لقاء الرجال الشجعان المدفوعين بوطنيتهم، ومصالحهم، فإن العراق يتجه إلى الانزلاق الخطير، فهل وثيقة مكة تكون البداية لصلح جديد تقوم عليه وحدة العراق؟