هل بوسع وسائل الإعلام وحدها، مهما بلغت قوة تأثيرها، إحداث تغيير سياسي؟

هذا السؤال الكبير طرحه خبير إعلامي عربي بشأن قناة «الجزيرة» الفضائية من خلال مقالة في صحيفة «هيرالد تربيون» الأميركية يعرض فيه تحليلاً مهنياً عن رسالة هذه القناة وأدائها.

في مستهل المقالة يقول خالد حروب الذي يعمل بجامعة كامبردج البريطانية إن المؤرخين الإعلاميين في المستقبل سوف يفرقون بين مرحلتين في منطقة الشرق الأوسط: مرحلة ما قبل «الجزيرة» ومرحلة ما بعدها. ولتبرير هذا الحكم فإنه يقول: إنه لن يجادل سوى القلة حول تأثير هذه القناة على حرية التعبير في المنطقة.

ولكن هل امتد تأثيرها إلى إحداث تغيير سياسي عملي في أية بقعة في العالم العربي؟

ويمكن توسيع نطاق السؤال ليكون كالآتي: هل تستطيع الوسائل الإعلامية وحدها ومهما بلغت مصداقيتها المهنية وجرأتها في الأداء الإخباري والسياسي أن تحدث تغييراً سياسياً عملياً في سياق أوضاع سائدة في منطقة ما؟

أولاً ينبغي أن نقرر أن تغيير أوضاع سياسية ليس من واجب الوسائل الإعلامية بالدرجة الأولى. فتلك مهمة القوى السياسية التي يهمها الأمر بصورة مباشرة في بلد ما، ذلك أن تغيير الأوضاع يتطلب عملاً تنظيمياً علنياً كان أم سرياً، سلمياً كان أم عنيفاً.

لكن ما تستطيع أن تقوم به الوسائل الإعلامية هو المساهمة في رفع مستوى الوعي السياسي عن طريق تقديم خدمة إعلامية نظيفة ونزيهة بالمعنى المهني، وبالتالي فإن أي تقييم لرسالة قناة «الجزيرة» وأية وسيلة إعلامية عربية أخرى ينبغي أن يبنى على هذا المعيار.

مما لا شك فيه أن «الجزيرة» كقناة إخبارية قد أثبتت وجودها وحققت لنفسها شعبية إعلامية متنامية، والدليل الأكبر على ذلك ظهور قنوات مماثلة تبنت لنفسها هذا النموذج، على الأقل من ناحية الأسلوب الأدائي، وكانت النتيجة التي تتبلور الآن هي من ناحية ارتقاء العمل الإخباري العربي ومن ناحية أخرى تطور الوعي السياسي الشعبي كماً ونوعاً.

على أن كل هذه القنوات الإخبارية بما فيها «الجزيرة» مدينة لعصر تكنولوجيا البث المباشر بالأقمار الصناعية على مدار الساعة وعلى النطاق العالمي، ذلك العصر الذي جرى تدشينه في مطلع عقد التسعينات، بحيث أصبح متاحاً للإرسال التلفزيوني عبور الحدود الجغرافية.

قبل ذلك كانت محدودية النطاق الإرسالي للتلفزيون تتيح للأنظمة الحاكمة التحكم في الأداء الإخباري بأساليب التجاهل والتحريف أو الاختلاق وتسخير الخدمة الإعلامية التلفزيونية لأغراض الدعاية للسلطة الاستبدادية، بهدف تزييف الوعي السياسي لدى السواد الأعظم من جمهور المشاهدين.

الآن وفي عصر البث الحي بالأقمار الصناعية على مدار الساعة أصبحت عملية تزييف الوعي في ذمة التاريخ.

لكن مع ذلك نقول إن إحداث التغيير السياسي ليس من مسؤولية الوسائل الإعلامية، إنه مسؤولية الشعوب بكل فئاتها.