في الأسبوع الأخير بدا التراجع في تصريحات القادة الأميركيين في الملف العراقي الملتهب واضحاً، وقرأنا تسريبات عن اللجنة التي شكلها الكونغرس برئاسة وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر، تدعو إلى انسحاب تدريجي من العراق وإشراك إيران وسوريا في السيطرة على العنف المتصاعد في بلاد الرافدين، في إطار البحث عن خطة جديدة قد تقلب الإستراتيجية الأميركية في العراق رأسا على عقب.

فتحت ضغط انتخابات الكونغرس المقررة في 7 نوفمبر المقبل اعترف الرئيس جورج بوش أخيراً بوجود تشابه بين ما تواجهه القوات الأميركية في العراق مع المأزق الذي وجدت نفسها فيه في نهاية الستينات من القرن الماضي في فيتنام.

وفي السياق ذاته أيضاً ما ذكرته صحيفة «فاينينشال تايمز» نقلا عن مسؤول أميركي كبير من أن إدارة بوش تضغط على حكومة نوري المالكي لإصدار عفو شامل ومؤلم، عن المسلحين لتطبيع الوضع في العراق.

وفي الأسبوع ذاته، اعترف وزير الدفاع دونالد رامسفيلد أن القوة وحدها ليست كافية لتحقيق النصر في العراق، وان الأمر يحتاج في نهاية المطاف إلى أساليب سياسية، يبدو أن لجنة بيكر تعد لها وبما يمهد الطريق أمام تغيير واشنطن إستراتجيتها في العراق.

رامسفيلد الذي تحدث عن أساليب سياسية لتحقيق النصر، كان لتوه قد أمر بإرسال مزيد من جنود مشاة البحرية الأميركية (المارينز) بهدف السيطرة على الأوضاع المتدهورة في العراق والتي كانت سببا في مقتل أكثر من سبعين جنديا أميركيا في شهر أكتوبر الجاري وحده. وهو ما كان وراء إعلان الجيش الأميركي عن مراجعة إستراتيجيته في بغداد بعد أن أخفقت التعزيزات الأميركية في تخفيف حدة العنف المتزايد. فرغم الخطط الأمنية المتلاحقة للسيطرة على العاصمة العراقية ازدادت الهجمات فيها بنسبة 22% مقارنة مع الأسابيع الثلاثة التي سبقت شهر رمضان.

أما نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني، فرأيناه يعول على صداقة بين الجنود الأميركيين والعراقيين لتحقيق المهمة التي تقلبت بين حجج البحث عن أسلحة الدمار الشامل، وإسقاط صدام، وتحقيق الديمقراطية.

نحن إذن أمام لغة اقل تشددا، فهل تقود هذه اللغة إلى تغيير الإستراتيجية الأميركية في العراق، أم هي مجرد تصريحات، تستهدف امتصاص الضغوط التي يمارسها الديمقراطيون علي الإدارة الجمهورية، ضمن أسلحة الحرب الانتخابية التي تشير التوقعات إلى فوز الديمقراطيين بها؟

الواقع أن الصعوبات التي تواجه الأميركيين اكبر بكثير من الضغوط الانتخابية، إذ إن البوصلة الأساسية التي تقود الإستراتيجية الأميركية في العراق بدأت تخرج عن السيطرة.

وهو ما يفسر الخلافات التي ظهرت إلى العلن بين العسكريين البريطانيين والأميركيين بشأن التواجد البريطاني في العراق،الذي اعتبره رئيس هيئة أركان الجيش البريطاني ريتشارد دانات يمثل سببا في تصاعد العنف، مطالبا بالانسحاب قبل أن يتراجع تحت ضغوط الحكومة البريطانية التي تكافح للحفاظ على متانة علاقاتها بالجانب الأميركي.

ورغم المناورات السياسية، فان الخيوط تقود إلى رضوخ أميركي للتوصيات المنتظرة للجنة بيكر والتي تتمثل وفقاً لمسؤول قريب من عمل اللجنة في ثلاثة خيارات هي : فتح قنوات اتصال دبلوماسي مع إيران وسوريا من ضمن توجه ينص على انسحاب تدريجي للأميركيين من العراق تحت عنوان «الانسحاب والاحتواء».

وخيار ثان يحمل اسم «الاستقرار أولاً» يعطي الأولوية للاستقرار على نشر الديمقراطية. أما الخيار الثالث فيقوم على تقسيم البلاد إلى ثلاث مناطق كردية وسنية وشيعية تتمتع باستقلال ذاتي واسع. رغم أن بوش استبق تقرير اللجنة المؤلفة من خمسة ديمقراطيين وخمسة جمهوريين والمنتظر أن يتسلمه الرئيس الأميركي بعد الانتخابات التشريعية في 7 نوفمبر.

وأعلن رفضه الانسحاب المبكر،و تقسيم العراق إلى ثلاث مناطق، وان كانت معطيات الواقع تقود في هذا الاتجاه، بدليل تمرير البرلمان العراقي لقانون الأقاليم المثير للخلاف وسط الساسة العراقيين. وعلى ما يبدو فوق السطح ستكون توصيات لجنة بيكر أشبه بدخان كثيف يمرر التراجع الأميركي في الملف العراقي.