في ظل نظام دولي يمكن وصفه بنظام الفوضى العالمية، نظام اخذ في التبلور بعد عقد ونصف من الزمن منذ نهاية نظام الحرب الباردة، نظام يشهد تفشي الحروب الأهلية، وحروب الهوية وتفشي الأمراض والتوترات المجتمعية المرشحة دائما لتصبح توترات مسلحة وفي ظل نظام تزداد وتتعمق فيه الشروخ والفروقات بين الأغنياء والفقراء، دولا وجماعات ضمن الدول ويزداد الفقراء تهميشا وبؤسا.
حيث نذكر على سبيل المثال ما قاله المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة أن هنالك 850 مليون شخص يعيشون في جوع مزمن، عالم تزداد فيه أعداد الدول الفاشلة وتلك المرشحة لعضوية هذا «النادي» العالمثالثي، تبرز في «ظلمة» هذا النظام أو في حالة اللا نظام التي يعيشها العالم شمس ساطعة واعدة وطالعة من قلب العالم النامي .
وتحديدا العالم الأقل نموا، من قلب العالم الإسلامي أيضا بما يحمله ذلك من معان وصور في هذه المرحلة، المرحلة التي تكثر فيها الصور السلبية عن هذا العالم الإسلامي، من بنغلادش مع محمد يونس الاقتصادي البنغالي المعروف بلقب مقرض الأمل أو أب الاقتصاد الاقراضي الصغير.
يونس الذي تقاسم مع مصرف غرامين الذي أسسه منذ 30 عاما لإقراض الفقراء، جائزة نوبل للسلام، حملت عبره هذه الجائزة اعترافا ورسالة، اعترافا أن الفقر الشديد واستمرار التفاوت الاقتصادي والتهميش الاجتماعي على كافة المستويات الوطنية والدولية خطر على الاستقرار و السلام وخالق وحاضن لبيئة ينمو فيها التطرف والتوتر.
إن هذه الجائزة هي أيضا رسالة على أن السلام العالمي لا يمكن أن يتحقق بشكل دائم وشرعي ومستمر في ظل استمرار الفقر و ازدياده وانتشاره أفقيا وعموديا وفي ظل السقوط في الهاوية الاجتماعية الاقتصادية.
يقول جاك اتالي، الكاتب والاقتصادي والذي كان مستشارا للرئيس الفرنسي ميتران، إن هنالك أكثر من 130 مليون إنسان في العالم يستفيدون حاليا من هذا النموذج الاقراضي الصغير، جاك اتالي الذي يترأس المؤسسة «بلانيت للتمويل» وهي مؤسسة غير حكومية عالمية تقوم على نظام من الشبكات التعاونية لمحاربة الفقر ولتنمية التمويل الصغير.
وتعمل في أكثر من 60 دولة ويلعب محمد يونس دور الدينامو الأساسي في هذه المؤسسة، يقول إن هنالك حاليا حوالي أكثر من ثلاثة آلاف مؤسسة إقراض صغيرة تعمل في كافة أنحاء العالم. ويصف اتالي محمد يونس بأنه قد قلب رأسا على عقب الحدود التقليدية بين المفاهيم. فهو اذ يناضل منذ 30 عاما ضد الفقر يمكن اعتباره راديكاليا من اليسار.
وهو اذ يعمل على إدخال الفقراء في اقتصاد السوق العالمي فيمكن اعتباره أيضا راديكاليا من اليمين، كما يقول اتالي. يشكل محمد يونس وعمله أحد أهم نماذج أنسنة العولمة ودمقرطتها من خلال توسيع المشاركة في العمليات الاقتصادية وتصحيح الاختلالات قدر الإمكان إلى جانب محاولة احتواء التداعيات المتوحشة لبعض جوانب العولمة الاقتصادية.
فلسفة هذه المقاربة انها أساسا تبتعد عن نموذجين أولهما النموذج الاجتماعي المطلق القائم على سياسة المساعدات الكلية والذي يخلق نوعا من الاتكالية والتبعية في بعض صوره، وثانيهما النموذج الاقتصادي المطلق الذي يقوم على مفهوم اقتصاد السوق المتوحش.
يونس خلق ربطا عضويا بين الأخلاقية والفعالية ، بين التكافل الاجتماعي والمبادرة الاقتصادية رافضا منطق القطيعة أو الانقطاع وداعيا من خلال المواكبة والتشجيع على الاندراج في اقتصاد السوق ولو على مستويات منخفضة ومحدودة. يونس يقدم نموذجا برجماتيا بعيدا عن النماذج المطلقة المعروفة عند اليمين واليسار.
لكن المهم في ذلك كله أن هذا النموذج الاقراضي يساهم أيضا في محاربة الهجرة الداخلية، الهجرة من الريف إلى المدينة التي هي إحدى أهم واخطر المشاكل التي يواجهها العالم النامي. وسمات العالم النامي .
وتذكر دراسة صدرت عن برنامج الأمم المتحدة للسكان أن ثلث سكان المدن حاليا يعيشون في أحزمة البؤس التي تحيط بالمدن علما انه سيصل عدد سكان المدن عام 2030 إلى 5 مليارات إنسان يشكلون 60% من سكان العالم، الأمر الذي يدل على مخاطر هذه الهجرة الداخلية وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية وكذلك السياسية الاختلالات الديمغرافية التي تخلقها هذه الهجرة الداخلية على وضع البلد المعني.
كما أن هذا النموذج الاقراضي يساهم أيضا في التخفيف من الهجرة الأخرى، الهجرة الخارجية التي تواكب أحيانا الهجرة الداخلية أو تشكل نتيجتها الطبيعية في كثير من الحالات.
ملاحظتان أخيرتان في هذا الأمر أولا : أن مكافحة الهجرة التي هي إحدى المسائل العالمية الضاغطة والحاملة لتوترات سياسية واجتماعية بين دول «الشمال» ودول «الجنوب» على نقاط التماس بينهما وبالأخص على الحدود الأوروبية المتوسطية وعلى الحدود الأميركية المكسيكية ، ان المعالجة الناجحة والفعالة لا تكون من خلال إقامة جدران مادية أو أمنية بين العالمين، بل تكون بشكل أساسي من خلال تشجيع ودعم هذا النوع من التضامن الإنساني والتكافل الاجتماعي الذي يساهم في معالجة مشاكل الدول المصدرة للهجرة.
وثانيا: كم ان العالم العربي خاصة في قطاعاته الزراعية والحرفية ذات الكثافة الديمغرافية، كم هو بحاجة لهذا النوع من الإقراض حفاظا على السلم المجتمعي وعلى التوازنات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في دوله.
كم نحن بحاجة لنموذج لمحمد يونس في بلادنا متذكرين المثل المعروف الذي يقول ان السواقي الصغيرة هي التي تصنع الأنهار الكبيرة.
كاتب لبناني