لا أعرف كيف وصلنا إلى هذه الحالة من البلادة التي لم يكن من الممكن تصورها أو التفكير فيها قبل سنوات قليلة. يعلن فريق الباحثين بجامعة أميركية شهيرة أن عدد القتلى العراقيين منذ الغزو الأميركي قد جاوز 650 ألف عراقي.

وتهتز الإدارة الأميركية خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، ومع تزايد القتلى الأميركيين الذين بلغوا أكثر من ثلاثة آلاف وهو رقم ـ في بلد يعرف قيمة مواطنيه ـ كبير .. أما نحن فقد قرانا الرقم وطوينا الصحف وعدنا ـ والحمد الله ـ لمتابعة مسلسلات رمضان في التليفزيون.

لكن المسلسل الأكثر رداءة بين هذه المسلسلات التي نتفرج عليها هو ذلك المسلسل الذي يجري على ارض فلسطين حيث يتصارع الأخوة الأعداء على سلطة وهمية، ويعيش الشعب المجاهد بين نار حصار الجوع المفروض عليه، وبشاعة الاحتلال الإسرائيلي بكل ممارساته النازية، ومخاوف الحرب الأهلية التي رأينا نذرها قبل أسابيع في اشتباكات أنصار «حماس» و«فتح» التي أنهت حرمة الدم الفلسطيني على السلاح الفلسطيني.

والنتيجة إسرائيل تفعل ما تريد، وتعلن أنها تستعد لحرب شاملة في غزة، والشهداء الفلسطينيون يتساقطون يوميا ومجاناً، والقضية الفلسطينية تتراجع لتتحول إلى مشاركة إنسانية يقول العالم إنه سيتعامل معها لا باعتبارها قضية شعب يبحث عن الحرية والاستقلال، بل باعتبارها قضية أطفال يبحثون عن اللبن، وموظفين يطالبون بالرواتب.

. كل هذا والحديث لا ينقطع عن حكومة الوحدة الوطنية الموعودة، بينما الواقع يقول إنه لا توجد حكومة، ولا وحدة، وان الوطن يتم قضمه قطعة قطعة.

وفي السودان يجري مخطط التقسيم كما يراد له، ورغم محاولات إنقاذ الموقف بالاتفاق الخاص بشرق البلاد، فإن مأساة دارفور التي حصدت مئات الألوف من الضحايا مازالت مستمرة، والتدخل الأجنبي ـ بصورة أو بأخرى ـ يتعزز رغم مقاومة الحكومة السودانية، والعرب ـ كالعادة ـ لم يستفيقوا إلا مؤخراً ومع العجز عن مواجهة الموقف، ليصبح انفصال الجنوب هو الأمر الواقع.

وهو نفس المصير الذي يتهدد دارفور،فالصراع في السودان هو بين الأقوياء الذين يسعون للسيطرة على ثرواته وتحديد مصيره ومصير المنطقة، وصراع الأقوياء ـ ونحن غير مهتمين ـ ويستتبع التقسيم: تقسيم النفوذ والمصالح .. والأوطان!

وفي لبنان، حيث حققنا النصر الصعب ودفعنا الثمن الباهظ واستعدنا شيئاً من الكرامة يتجسد جانب آخر من المأساة، فالنصر يجري استلابه، والفرقاء في الداخل مشتبكون في صراع يسعى البعض لتحويله لصدام مسلح، وكلمة السر في حرب لبنان وهي: انتصار المقاومة تسعى أطراف كثيرة لمعاقبة لبنان عليها، خوفاً من ان تسري في الجسد العربي كله فتقلب المشهد الراهن رأساً على عقب.

إنه الأمر الطبيعي من أعداء الأمة . فعلوا هذا بعد حرب 56 واستمرت محاربتهم حتى نجحوا في 67. وفعلوا هذا بعد حرب أكتوبر حتى لا يتحول التحالف الذي قاد الحرب إلى تحالف يقود نهضة عربية كانت ـ ومازالت ـ مطلوبة وممكنة .

والآن وحتى مع محدودية الانتصار في لبنان والثمن الباهظ الذي دفع من أجله، فقد كانت مخاوف الأعداء من انتشار إرادة المقاومة اقوى من كل شيء، وكان الإصرار من جانبهم على ألا يستوعب العرب الدرس : وهو أنهم قادرون على الانتصار إذا وفروا له الأسباب، وان العدو قابل للهزيمة مهما كان حجم ترسانته العسكرية.

ولقد حمل الأداء العربي مع قرار مجلس الأمن الخاص بالأزمة اللبنانية بعض الأمل في أن نستوعب الدرس ونبدأ مرحلة جديدة من العمل العربي المشترك . وبالفعل قررنا الذهاب لمجلس الأمن مرة أخري لنعرض قضيتنا ونقول إن « الشرعية الأميركية» فشلت في تحقيق أي تقدم في العملية السلمية في الشرق الأوسط، وان قضية فلسطين ستبقى هي القضية المركزية للعرب.

وأنه لا حل ولا استقرار بدون تسوية عادلة لها، ولا تسوية حقيقية إلا بالعودة للشرعية الدولية. لكن الوضع اختلف بعد ذلك، وكان أداؤنا في الاجتماع الاستثنائي الذي عقده مجلس الأمن لهذا الغرض نموذجاً في الفشل المزمن في استغلال ما نملكه من أوراق وتبديد ما يتاح لنا من فرص.

إن المفارقة في المشهد العربي الراهن أن أعداءنا في أزمة طاحنة، ولكننا في أزمة اشد، ومن هنا يأتي عجزنا عن بناء الموقف القادر على المواجهة وعلى الانتصار.

أميركا مهزومة في العراق وليس أمامها إلا البحث عن مخرج مشرف من هناك.و إسرائيل انهزمت في لبنان رغم الادعاءات، وهي غير قادرة على تحقيق الانتصار في فلسطين مهما ارتكبت من مذابح وتلقت من دعم .و البعض منا والذين بشرونا ذات يوم بان العروبة خرافة .. يدركون اليوم ان عروبتهم هي أساس وجودهم وإنها حائط الصد الأساس أمام قوى قريبة وبعيدة تدرك ان مصلحتها لا تتحقق إلا بضرب الهوية العربية.

أميركا تريد الخروج من مأزق العراق وتريد ترتيب الأمر مع المحيط العربي وغير العربي، وإسرائيل ليس أمامها إلا الاستمرار في تصعيد الموقف العسكري ضد الفلسطينيين والضغط لاستمرار الحصار والسعي لإشعال الفتنة الداخلية التي تتزايد احتمالاتها يوما بعد يوم . والعرب مازالوا يبحثون عن طريق، ولا طريق إلا استعادة التحالف العربي الذي اثبت وجوده وكان وراء أي إنجازات تحققت في العقود الماضية بدءاً من حرب أكتوبر وحتى الآن. إن محور مصر وسوريا مع دول الخليج بقيادة السعودية هو أمر ضروري في هذه الظروف الصعبة.

ولقد حاولت واشنطن مراراً قطع الطريق بالضغط على سوريا وتهديدها. ومحاولة عزلها عن أشقائها العرب وكان آخر هذه المحاولات الحديث عن تحالف المعتدلين، لكن وزيرة الخارجية الأميركية رايس سمعت في اجتماع القاهرة الذي ضم دول الخليج ومصر والأردن كلاماً قاطعاً بأنه لا مجال لمحور عربي في مواجهة دمشق ولا مصلحة عربية في عدم تجاوز الخلاف العالعدو في أزمة ونحن في أزمة أشد ومن يستطيع الخروج من أزمته أولاً وبأقل الخسائر سيربح المعركةربي ـ العربي الذي نشأ على خلفية حرب لبنان.

وعلى عكس ما توقعته الإدارة الأميركية فقد كانت زيارة رايس للمنطقة واجتماعها مع وزراء الخارجية العرب في القاهرة فرصة ساهمت في تقريب وجهات النظر بين بعض العواصم العربية ودمشق. ولعل ما سمعته رايس يجعل السياسة الأميركية تعيد النظر في مخططاتها لضربة محتملة ضد إيران تقود المنطقة إلى كارثة جديدة. ولعل ما اصبح مطروحاً في كواليس السياسة الأميركية من ضرورة الحوار مع دمشق وطهران يفرض نفسه.

ولكن المهم ان يستعد العرب لكافة الاحتمالات وأن يحاولوا إمساك مصيرهم بأيديهم، وأن يدركوا حجم الأخطار من كل السيناريوهات المحتملة في العراق أو فلسطين أو لبنان أو السودان وما يتبعها، وأن يستعيدوا درس لبنان الذي كاد يضيع وهو انهم قادرون على الانتصار ويمتلكون أدواته إذا لم يبددوها.

ووسط كل التحركات العربية الأخيرة، فربما كانت لزيارة مستشار الأمن القومي المصري عمر سليمان الأخيرة لدمشق دلالاتها الإيجابية بإنهاء التوتر بين البلدين الشقيقين من ناحية والجهد المشترك في ترتيب البيت الفلسطيني من ناحية أخرى، وبناء الجسور المطلوبة لاستعادة تحالف دمشق والقاهرة مع الرياض ودول الخليج.

وهو التحالف الأهم خاصة في ظل التصريحات الأخيرة لمسؤول العلاقات الخارجية الأوربية موراتينيوس بأن سوريا جزء من الحل وليست جزءاً من المشاكل في الشرق الأوسط.

نقيب الصحافيين المصريين