شهد اليمن خلال الاشهر القليلة الماضية حالة من الحراك السياسي، تجاوزت كل الحدود، وعبرت مختلف الخطوط الحمر في واحدة من اكثر المعارك السياسية شراسة على الاطلاق، والتي لاتزال آثار نارها تلهب الشارع اليمني حتى اللحظة.

لقد مثلت الانتخابات الرئاسية والمحلية التي جرت في الـ 20 من سبتمبر الماضي نقطة تحول مهمة في العملية السياسية اليمنية، يتوقع ان يكون لها آثار كبيرة في صناعة المستقبل السياسي لليمن محليا واقليميا ودوليا.

ومع إعلان فوز الرئيس علي عبد الله صالح بولاية أخيرة لحكم اليمن بعد تغلبه على منافسه فيصل بن شملان مرشح المعارضة بنسبة 77 بالمائة مقابل 22 بالمائة لمرشح المعارضة، واليمن يعيش حالة من الغليان السياسي الذي يغلب عليه طابع تصفية الحسابات من قبل الحزب الحاكم الذي فاز بالرئاسة، كما فاز في الانتخابات المحلية وحقق نتائج لم تتحق له من قبل اذ اكتسح الجميع بشكل غير متوقع وغير مسبوق.

لقد بدأ الحزب الحكم عملية منظمة ومدروسة لتصفية الحسابات يريد من خلالها الانتقام من كل من وقف في وجهه وتلقينه درسا يحرم عليه التفكير مستقبلا في تكرار ما حدث.

حملة تصفية الحسابات هذه تأخذ بعدين الاول وهو الاخطر يتعلق بتصفية الحسابات مع رموز المعارضة كأحزاب ومؤسسات مجتمع مدني أما البعد الثاني فهو مخصص «على مايبدو» لمعاقبة وتصفية الحساب مع الشيخ حميد الاحمر نجل الشيخ عبد الله بن حسين الاحمر عضو مجلس النواب عن كتلة التجمع اليمني للاصلاح الاسلامي المعارض ذو التوجه الإسلامي.

ومهما تبدو عليه شراسة الحملة الموجهة ضد حميد الاحمر فان الكثير من المراقبين والعالمين ببواطن الامور يرون ان الاحمر الابن هو المستفيد الاكبر من الانتخابات وان ما يبدو على انه حملة للقضاء على مستقبله السياسي انما هو عملية منظمة ومدروسة ومتفق عليها لتلميع الرجل وتحضيرة لتسلم زمام الامور في اليمن بديلا للرئيس علي عبدالله صالح بعد انتهاء مدة ولايته الأخيرة.

ومحط هذا التفسير يقوم على قراءة مؤشرات المساحة السياسية إذ يدخل اليمن منعطفا جديدا بالاهتمام بالمستقبل السياسي ومن سيخلف الرئيس في المرحلة القادمة، فالمعارضة من آونة وأحزاب تشير من طرف خفي إلى إمكانية التوريث لنجل الرئيس بطريقة ديمقراطية لكن صعوبات جمة ترقى إلى درجة الاستحالة تقف في طريقه نظراً لتعقيدات سياسية وقبلية وتراكم أساليب معينة في أداة الحكم لا يجيدها القادم من إدارة عسكرية للقوات الخاصة وتقف الأنظار مشدودة باتجاه الصعود السياسي اللافت للأنظار من قبل حميد الأحمر الذي سطع نجمه خلال الحملة الانتخابية الأخيرة كمعارض يتقن الأدوات السياسية إلى جانب نفوذه القبلي والتجاري.

ومع أن الانتخابات اليمنية حطت أوزارها إلا أن الحملة الإعلامية والسياسية ضد حميد الأحمر ما زالت مستمرة وتصاعدت بطريقة دراماتيكية وهو ما فسره مراقبون باتفاق سياسي بين الرئيس علي عبد الله صالح والشيخ عبد الله الأحمر، بتلميع دور الشيخ/ حميد ليحل محل والده في رئاسة البرلمان وقيادة حزب الإصلاح أكبر أحزاب المعارضة.

ويشير المراقبون الى إجتماع سري جرى في مايو 2005 في مزرعة الرئيس الخاصة بمدينة عبس بمحافظة حجه، التقى فيه على مدى يومين كل من الرئيس علي عبد الله صالح والشيخ عبد الله بن حسين الاحمر والعميد علي محسن الاحمر قائد المنطقة الشمالية وأقوى القادة العسكريين وأهمهم على الاطلاق في اليمن، جرى فيه الاتفاق على كافة الترتيبات للعملية الانتخابية الاخيرة وتوزيع الادوار بين قطبي آل الاحمر الرئيس والشيخ الأحمر.

وبحسب أولئك المراقبين فانه تم في هذا الاجتماع الاتفاق على كافة التفاصيل وان ما يدور الان من مظاهر حملة موجهة ضد الشيخ حميد الاحمر انما هو امر محسوم ومتفق عليه سلفا، كي يبدو انتقال السلطة إليه مستقبلا امرا طبيعيا وفي إطار ديمقراطي، بعيدا عن التوريث.

وعلى كل حال فان حميد الأحمر يبدو شاباً متوثباً للقيادة خصوصاً مع امتلاكه لمهارات إدارية وسياسية واسعة مكنته خلال سنوات قليلة سابقة من نجاح كبير في الأعمال التجارية وقيادة معارضة بنكهة جديدة.

ومع تقدم والده في العمر وإجرائه عمليات جراحية في المملكة العربية السعودية زحف الشيخ الشاب ليملأ الفراغ ويتصدر الزعامة السياسية والقبلية فسرت على أنها تسوية الملعب ليحل الشيخ/ حميد مكان والده في تحالف جديد مع الرئيس يضمن مصالح الطرفين بين السلطة والمعارضة وكلاهما من أسرة تحكم الجميع.. ولا خوف أو خلاف حقيقي بين الطرفين!!