وسط عتمة الأوضاع وأجواء الإحباط، حصل أمس تطوران على درجة عالية من الأهمية، من حيث إضفاء مسحة إيجابية على المشهد وإعطائه شحنة تفاؤل، مفتوحة على إمكانات الانفراج: «وثيقة مكة» واتفاق «فتح» و«حماس». كلاهما اتفاق أمني، على الساحتين العراقية والفلسطينية لحقن الدماء وتحريم سفكها على أيدي قوى محلية.

القوى والأطراف المعنية توافقت خطياً وقرنت التزامها بتواقيعها. خطوة جديدة وربما واعدة، حمام الدم في العراق وخطر حصول مثله في الأراضي الفلسطينية، مع الخوف من انفلات حبل الأوضاع والوصول بها إلى الهاوية؛ كله رمى بثقله وضغطه لبلوغ نقطة التهيب هذه، والعمل على لجم التدهور المريع.

أو على الأقل لالتقاط الأنفاس، بغية الالتفات إلى مواجهة المسائل الخلافية السياسية ومعالجتها؛ باعتبارها الأصل في حالة التردي السائدة، في الساحتين، التزامن بينهما كان ملفتاً وقد حظي كلاهما بترحيب وارتياح، محلي وعربي، كبيرين.

لكن ثمة ساحة ثالثة مأزومة، لم يحصل على جبهتها تطور مماثل: الساحة اللبنانية، بل هي تشهد المزيد من التوتر، مع اقتراب شهر رمضان المبارك من نهايته. وكأن البلد على موعد مع استحقاقات سياسية صعبة وقد تكون فاصلة، في هذا الاتجاه أو ذاك، مع نهاية إجازة العيد. وكانت الإشارات تتوالى، طيلة الأسابيع الأخيرة، بأن الأوضاع صارت محكومة بمثل هذه المسيرة. أجواء الاستقطاب السياسي بلغت مداها.

الخطاب سادته لغة التوعد والحسم؛ مع عودة إلى أسلوب التراشق، عبر الشاشة والميكروفونات؛ والذي ارتفعت معه درجة التوتر. وبذلك بات الوضع يتأرجح بين احتمال التوصل إلى صيغة وفاقية، تسحب فتيل التأزيم؛ وبين احتمال انفجار الاحتقان السياسي وقطع شعرة معاوية بين الأطراف المعنية.

من هنا يبدو المشهد اللبناني وكأنه قد استبد به التجاذب بين الخيارين؛ وهو في حالة سباق مع الزمن، لا سيما وأن محاولات جرت في الأيام الأخيرة، لجمع أقطاب؛ علّ بإمكانهم التوصل إلى تفاهم ما، يعفي لبنان من هزة سياسية لا تعرف ذيولها ومضاعفاتها لكنها لم تفلح في عقد اللقاء. بل بدا وكأن اللقاء قد فات أوانه.

أو أنه محكوم بما يشبه الانسداد، سلفاً. وليس خافياً أن التصعيد على هذه الساحة ما فتئ يتراكم، منذ نهاية العدوان الإسرائيلي على لبنان أواسط أغسطس. فالأجواء محقونة بما فيه الكفاية، وثمة مخاوف رائجة ومتداولة من حصول فراغ، كما من مغبة اللجوء إلى الشارع ـ الذي يجري الحديث عنه بالتلميح أو بالتصريح ـ لإسقاط الحكومة.

الوضع اللبناني يعيش، منذ فترة، ظروفاً صعبة وسريعة العطب. في الآونة الأخيرة تلبدت أجواؤه بالمزيد من الغيوم. طقسه يختزن الكثير من الإعصار لكن في ذات الوقت، وكما كشفت السوابق، هو يختزن احتمالات انكشاح الغيوم والعودة إلى الانفراج. ولو إلى حين؛ بحيث تصبح الطريق ممهدة أمام العودة إلى الحوار، كخيار لا بديل عنه؛ كما إلى التفاهم كقدر لا فرار منه؛ إذا ما كان الخلاص هو الغاية والهدف.

«وثيقة مكة» جرى التوقيع عليها والإعداد لها؛ من خلال الجهود التي بذلتها منظمة المؤتمر الإسلامي. اتفاق فتح ـ حماس تم الوصول إليه بوساطة مصرية، هل هناك الآن من طرف أو جهة تسارع إلى التقاط اللحظة واستباق أية تطورات سلبية في لبنان لدعوة قواه السياسية إلى اتفاق مشابه؟ فذلك واجب ومصلحة.