ركز جلالة الملك محمد السادس في خطابه الذي افتتح به الدورة الأولى من السنة التشريعية الحالية، على أهمية الربط بين الديمقراطية والتنمية، باعتبارهما ورشين متكاملين ينخرطان في خدمة تطلعات الشعب المغربي، تجسيداً للمذهب الملكي في الحكم، القائم على ضمان أوسع مشاركة للمواطنين، في كل القضايا الوطنية المصيرية والمشاريع والإصلاحات الهيكلية الكبرى.

وفي غمرة ما يشهده المغرب منذ اعتلاء جلالة الملك العرش، من إصلاحات جوهرية وعميقة تهم البناء المؤسساتي وتوسيع فضاء الحريات والتركيز على التنمية، في إطار النهوض بحقوق الإنسان، في أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، جاء الالتزام الملكي مرة أخرى، بتجديد العزم على مواصلة ترسيخ الخيار الديمقراطي الذي لا رجعة فيه، في ظل الإجماع الوطني الراسخ على ثوابت البلاد ومقدساتها والتوافق حول اختياراتها الأساسية وما تمتلكه البلاد أيضا من ضمانات تؤهلها لاستيعاب تطور البلاد الديمقراطي وتحميه من أية انتكاسات محتملة.

وفي هذا السياق شدّد جلالة الملك على أهمية البناء المرحلي للديمقراطية على قاعدة مشاركة المواطنين ومصداقية المؤسسات، ومدى مساهمتها في تعزيز الحكامة الجيدة وتحقيق التنمية البشرية. وجاءت هذه الرؤية لتأطير الانتخابات التشريعية المقبلة في سنة 2007، التي يظل الرهان قائماً عليها لإحداث نقلة نوعية في مسار بنائنا الديمقراطي. وفي أفق هذه الانتخابات وجّه جلالة الملك رسائل إلى المواطنين، من أجل الانتصار للمواطنة المسؤولة والاهتمام بممارسة الشأن العام، بالانخراط القوي والمستمر في العمل السياسي الملتزم. على كل مستوياته الديمقراطية وأوراشه التنموية، بما يعيد الاعتبار لهذا العمل السياسي بمفهومه النبيل، ولا يجعله عرضة لعزوف المواطنين مما يضر بالعملية الديمقراطية.

وتوجهت الرسالة الملكية الثانية إلى مخاطبة الأحزاب السياسية، باعتبارها دعامة أساسية للديمقراطية، لكي تحترم الناخب وتخاطبه بلغة الوضوح والحقيقة، في الانتخابات التشريعية المقبلة وأن تختار من هم أجدر بتحمل أمانة الانتداب النيابي، ليكون العمل التشريعي قائماً على الكفاءات، فضلا عن تقدمها في الحملة الانتخابية ببرامج مدققة وواقعية، لمعالجة القضايا الكبرى للبلاد، مع انخراطها في تحالفات كفيلة بإفراز أغلبية منسجمة ومعارضة بناءة.

وفي هذا السياق يظل التطلع قائما على أن تساعد الانتخابات المقبلة بما يواكبها من تدابير وتنافس شريف بين الأحزاب على فرز خريطة سياسية حقيقية وحماية المشهد السياسي من البلقنة التي تعيق التطور السياسي للبلاد. ووجّه جلالة الملك رسالته الثالثة إلى السلطات العمومية للالتزام بالحياد الإيجابي في مختلف مراحل العملية ا لانتخابية والتصدي للخروقات وتوفير كل الضمانات لإجراء انتخابات حرة ونزيهة، في إطار الالتزام الجماعي لمختلف الفاعلين في العملية الانتخابية لكي تكون هذه العملية مطبوعة بالتخليق ويتم فيها التصدي للاستعمال اللامشروع للمال لشراء الأصوات والذمم وممارسة الإفساد بما يضر بمصداقية المؤسسات.

والمؤكد أن الدعوة إلى تخليق العملية الانتخابية تستمد وجاهتها مما شهده اقتراع 8 شتنبر الماضي الخاص بتجديد ثلث أعضاء مجلس المستشارين من إفساد . ولأن الديمقراطية مرتبطة بالتنمية، أعاد الخطاب الملكي التركيز على أهمية المبادرة الوطنية للتنمية البشرية مؤكداً أن المتوخى من هذه المبادرة هو إحداث تغيير في ثقافة وسلوك الفاعلين فيها والمستفيد من برامجها على حد سواء وذلك بترسيخ مبادئ الشراكة والمشاركة والحكامة الجيدة باعتبارها من صميم الممارسة الديمقراطية الحديثة.