جرت العادة منذ عدة سنوات أن تقام في آخر جمعة من شهر رمضان الكريم والتي اصطلح على تسميتها بـ"جمعة القدس" المهرجانات التضامنية مع أبناء الشعب الفلسطيني في الدول العربية والإسلامية وهي مهرجانات يطغى عليها الجانب الإعلامي والخطب السياسية التي يتم فيها تكرير عبارات الشجب والتنديد لأفعال اسرائيل وجرائمها وما تقوم به من قتل وتجريف وتهجير وانتهاكات لحقوق الشعب الفلسطيني والحرمات الإسلامية المقدسة، التي تتعرض لأعمال التدنيس المستمرة من قبل قوات الاحتلال وآخرها ما جرى يوم أمس.

- ونعتقد بأن فعاليات خطابية كهذه ولكي تكتسب تأثيراً أكبر فلابد وأن تقترن بتحرك عربي وإسلامي من قبل الحكومات والأنظمة وبما يجسد حقيقة موقف الأمة الرافض والمستهجن لما يحدث في فلسطين ولما تقترفه اسرائيل من جرائم بحق الأبرياء وكذا ما تفرضه من حصار محكم وخنق اقتصادي على أبناء الشعب الفلسطيني الذي يتعرض هذه الأيام لسياسة تجويع ظالمة تنذر بكارثة إنسانية إذا ما استمرت الأوضاع على ماهي عليه، ومالم يسارع المجتمع الدولي لفك هذا الحصار وإرغام اسرائيل على الالتزام بمبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حيث وأن من الأهمية وبعد كل تلك الحقبة الطويلة من الزمن أن يدرك العرب بل والعالم الاسلامي عموماً أن السلام العادل وعودة الحق إلى أصحابه لايمكن أن يتحقق عن طريق الفعاليات الخطابية أو عبر إبداء النوايا الحسنة والتغني بالسلام واستجداء الأمن والاستقرار من اسرائيل بعد أن برهنت كل تجارب الماضي بأن اسرائيل لم تقتنع يوماً بإمكانية التعايش مع الفلسطينيين وشعوب المنطقة تحت غطاء مفهوم السلام أو حتى تلك المحددات التي سبق وأن أكدت عليها قرارات الشرعية الدولية

فإسرائيل لاتؤمن أصلاً بالسلام ولاتسعى إلى الأمن والاستقرار، وقد أضعنا عشرات السنين بين الأمل والتفاؤل واليأس والانكسار ووجدنا أن النتيجة التي حصدناها من كل مراحل الانتظار لم تكن سوى سرداب طويل ومظلم دخلناه ولم نعد نستطيع الخروج منه خاصة بعد أن كشفت عورات هذه الأمة وبدت عاجزة عن التعاطي مع تلك المفارقات التي تسخر بعقول أبنائها وبكل ما يكتنزه تاريخهم من رصيد تاريخي وحضاري.

وعليه فإذا كان المطلوب من أبناء الشعب الفلسطيني وفي صدارته حركتا فتح وحماس التحلي بروح المسؤولية الوطنية والارتفاع إلى مستوى التحديات الماثلة وبما يفوت الفرصة على إسرائيل التي تبحث عن نصر يعوضها عن هزيمتها التي تجرعتها في لبنان بإشعال حرب أهلية بين الفصائل الفلسطينية وهو ما يستدعي من هذه الفصائل القيام بواجباتها في الدفاع عن وحدة الصف الفلسطيني وتماسك جبهته الداخلية.

- فإن ما يتعين على العرب هو الاستيعاب التام بأن ما يعتمل في سطح المنطقة ينذر بمخاطر كثيرة.. وإنهم أمام منعطف هام وحقائق جديدة ينبغي التوقف عندها بواقعية أكبر وبعيداً عن ترحيل القضايا ودفعها إلى دائرة المجهول، إذ انه قد حان الوقت أن تعي الدول العربية أن الضرورة تقتضي منها أن تضع في حساباتها متغيرات المواقف والمصالح وان ما يجري اليوم في فلسطين والعراق والسودان هي مؤشرات تعكس في شواهدها على أن المنطقة تقترب من حافة الانهيار.

- وإنه ولكي يتم الحفاظ على الحد الأدنى من مصالح هذه الأمة فإن الأمر يتطلب تحركاً سريعاً لتدارك ما يمكن تداركه قبل فوات الأوان.. وهي مسألة سبق وان نبهت إليها الجمهورية اليمنية ممثلة في زعيمها وقائدها الرئيس علي عبدالله صالح والذي كان في مقدمة من استشعروا مخاطر التحدي القائم وما سيؤدي إليه من عواقب كارثية على حاضر ومستقبل هذه الأمة وأجيالها القادمة.

وبالتالي فإن من الحكمة ان يتخلى العرب عن سلبياتهم وأن يبدأوا مرحلة جديدة من العمل المشترك وتبني المواقف الموحدة التي تنتصر لقضاياهم العادلة وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني الذي يعاني من القهر والظلم والبغي والعدوان الغاشم من قبل قوات الاحتلال الاسرائيلي على مرأى ومسمع من العالم كله، وإلى جانب كل ذلك فإن العرب معنيون أيضاً ببذل الجهود التي من شأنها الحفاظ على وحدة الشعب العراقي وانقاذ هذا القطر العربي بالتلازم مع التحرك الجاد لدعم خطوات الوفاق داخل الساحة العراقية وانقاذ هذا البلد من نزيف الدم الغائر والفتنة الطائفية الجامحة التي تدفع بكيانه إلى التمزق في كنتونات مذهبية وطائفية لن يكون من نتائجها سوى المزيد من الحرائق والمآسي وانفلات الأوضاع في هذا القطر وتحوله إلى بؤرة تلحق الضرر بالأمن والاستقرار في المنطقة .

- ومن العار أن يقابل كل ما يموج به الواقع العربي من تردَّ بالصمت واللامبالاة وتجاهل من لايرى ولايسمع حيث وأن استمرار هذه الحالة من اللاوعي سيكون مكلفاً وباهظ الثمن ونتائجه مروعة ومفزعة، فمتى يستيقظ الضمير العربي من سُباته ومتى يصحو من غفوته؟!.