إشارة الرئيس الأميركي جورج بوش الى العلاقة بين ما جرى في فيتنام للجيش الأميركي ، ومنه ، وبين ما يحدث في العراق وفي يوم دموي شهد سقوط ما يزيد على 65 عراقيا تؤشر الى مدى الوجع الذي سببه غزو العراق للأميركيين . فالحقائق المريرة تتضح شيئا فشيئا والأكاذيب حول الديمقراطية والحرية والأمن تتهاوى شيئا فشيئا أيضا .

الاعتراف هدفه واضح وهو الظهور بمظهر الشفافية لتخفيف حدة الانتقادات للإدارة الأميركية المقبلة على انتخابات الكونغرس المقررة في السابع من نوفمبر المقبل وسط توقعات بخسارة كبيرة للجمهوريين بسبب إخفاقات وعواقب الحرب على العراق وما أوصلته من مصائب لكل من العراقيين والأميركيين على السواء وما ينبغي الإشارة إليه بوضوح الآن هو ان على الولايات المتحدة ان تستوعب دروس التاريخ منذ مأساة فيتنام الى كارثة العراق وكلاهما زرعتهما في التاريخ أيد أميركية ونسجت خطوطها عقليات أفلام الغرب الأميركي التي تضع حدودا خاصة لمنظومة القيم الأميركية عن الحق والعدل والسلام لا تستقيم والمفهوم العالمي السائد لهذه القيم .

ولن يفيد الأميركيين ان يلجأوا في تصريحاتهم الى التعميم والألغاز التي تنطلق على ألسنة مسئوليهم ، بل ما يفيدهم هو الاعتراف بالحقيقة المريرة وهي أنهم لا يستمعون الى النصيحة ، فمنذ بواكير الإحساس بنية بوش والإدارة الأميركية اليمينية الطابع في غزو العراق وصدرت النصائح تلو النصائح وجلها من مصادر عربية بعدم الإقدام على هذه المغامرة لكن (جدول أعمال) الإدارة كان يتخذ طريقه في اتجاه آخر تماما يلبي متطلبات طامعين في منافع جزئية إقليمية أو محلية داخل العراق ، وامتزج هذا (الجدول) مع توجهات جماعات الضغط الساعية الى تعظيم أرباحها على حساب دماء الآخرين دون أي وازع من ضمير أو قيم أو أخلاق ، إلى ان وصل الشرق الأوسط كله والأميركيون الى المستنقع الشبيه بمستنقع فيتنام .

ويجب الاشارة هنا الى ان الاستماع الى آراء العسكريين في البنتاغون والذين هيمنوا على اعمال وزارة الخارجية هو المسبب الأول للكوارث من فيتنام الى العراق ، فالذي اقترح تدمير الغابات في فيتنام بالأسلحة الكيماوية الفتاكة ، أدى الاستماع الى اقتراحه وتنفيذه لحرمان الفيتكونع من نشاطهم المقاوم الى كارثة بيئية وإنسانية انعكست على الشعب الاميركى كما انعكست على الشعب الفيتنامي سواء بسواء . فضلا عن كونها تحولت الى (عقدة) استقرت في نفسية الاميركيين وتعبر عن نفسها في كل مناسبة والآن اضيفت اليها عقدة (غزو العراق) وما ارتبط بها من ملاحم للهزائم والفضائح والانهيار الأخلاقي تضاف الى جملة ما خلفته حرب فيتنام

إن حكايات العنف الطائفي التي يرددها بوش ووزيرة خارجيته (كوندوليزا) كأساس للحرب الدائرة حاليا في العراق لا أساس لها من الصحة ، فقد عاش العراقيون عمرا مديدا في تناغم اجتماعي وعرقي وعقدي فريد وصار نموذجا للتعايش يحتذى به حتى جاء الغزو الاميركي فقلب سكينتهم ترويعا وأمنهم خوفا وتعايشهم صراعا من اجل تحقيق فكرة سياسية خرقاء ترتبط بأمن اسرائيل وتنهض على إزاحة قوة إقليمية كبرى وجيشها من المسرح الشرق اوسطي .

ولأن في الإعادة إفادة ، ينبغي ان يتواجد دائما من يضع إصبع الأميركيين على أخطائهم التاريخية ، لعل في هذه الإعادة والتكرار ما يجعلهم يحقنون دماء الأبرياء من العراقيين وغير العراقيين على السواء ، وأيضا لكي يتوقف الساسة الأميركيون عن إطلاق التصريحات الصماء الملغزة ويستمعوا مرة واحدة الى صوت العقل والنصيحة ، حتى لا يصنعوا لأنفسهم ولشعوبهم وشعوب العالم المزيد من المآسي والجراحات النازفة ، فكتاب الأخطاء السياسية والعسكرية الأميركية تربط بوضوح بين مهازل الأمس واليوم لمن شاء أن يتعلم .