كما كان متوقعاً لم يحظ كتاب «التحول الكبير: بغداد ـ بيروت» للكاتب الفرنسي الشهير ريتشارد لابفيير بأي إشارة من فريق 14 آذار والامبراطورية الإعلامية التي يديرها، ربما بانتظار صدور «أمر العمليات»! من مكان ما، أو من شخص ما!
هذا التجاهل المتعمّد منطقي جداً من هذا الفريق الذي راهن على إلصاق تهمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري بسورية، وراهن كذلك على إنهاء قوة المقاومة اللبنانية في غضون أسبوع على الأكثر من الحرب العدوانية الإسرائيلية على لبنان، وراهن ـ ولا يزال يراهن ـ على مراكز اتخاذ القرار في عالم اليوم، وعلى وجه الخصوص: واشنطن وباريس.
الكتاب الجديد الصادر في فرنسا يكشف الكثير من الأمور التي يمكن أن تكون رؤوس خيوط توصل إلى حقيقة ما جرى بدءاً من القرار 1559 المعدّ مسبقاً، وصولاً إلى القرار 1701 وما بين هذا وذاك من محاولات تشويه الحقيقة وإخفائها، إلى السعي لزج اسم سورية في جرائم لا تخدم سورية ولبنان ولا الأمة العربية.
لسنا في وارد استعراض الكتاب الذي أصبح اليوم ملكاً للجميع، ولن نروج لمصداقية الكاتب الذي يعمل في وسائل إعلام فرنسية رسمية أو شبه رسمية وله اتصالات وعلاقات ومصادر، ما نريد تثبيته هنا أن الحقيقة التي تاجر بها فريق ودول وإدارات لا تزال هي الضحية الأولى من كل ما جرى ويجري، وأن الهدف بعيد المدى كان محاولة تطويع سورية والإجهاز على نهج المقاومة في المنطقة، وأن صفقة أميركية ـ فرنسية عقدت وكان ثمنها تخلي فرنسا عن دبلوماسية ديغولية عمرها نحو أربعين عاماًً ضحّت بها الإدارة الفرنسية كرمى لعيون بوش، والمحافظين الجدد و«إسرائيل»، وكرمى لمصالحة فرنسية ـ أميركية جاءت على حساب تغييب الحقيقة والانتقام من سورية ومن نهج المقاومة.
دليل إضافي ظهر ليثبت مصداقية سورية وما أكدته طوال أشهر طويلة، وليكشف بالمقابل بعض خيوط المؤامرة الرخيصة التي حيكت بليل لتكون بداية «تحول كبير» من نوع آخر يمهد الطريق أمام عودة الاستعمار الغربي إلى المنطقة من الشباك بعدما خرج منها في أعقاب الحرب العالمية الثانية من الباب، ولإكمال مشروع سايكس ـ بيكو ووعد بلفور وغيرهما من المؤامرات.
لسنا من عشاق المؤامرة.. فما جرى ويجري على مدى قرن هو أكبر مؤامرة تعرض لها العرب، ولعل كتاب «التحول الكبير» الذي نحن بصدده، يؤكد أن كل ما جرى أكبر من مؤامرة متعددة الأطراف والأهداف، ولكن السؤال المحيّر: إذا كان الغرب هو من يصنع المؤامرات لأهدافه الخاصة المعروفة فما مصلحة أطراف من «أهل الدار» فيها؟ وما المكاسب التي حققوها والوعود التي سمعوها وينتظرون موسم حصادها؟! إنها معضلة تحتاج إلى أجوبة.