يتطلع العرب والمسلمون بشكل عام ، والشعب العراقي بشكل خاص إلى أن تساهم وثيقة المصالحة الدينية التي أقرتها المرجعيات الشيعية والسنية في مكة يوم أمس ، برعاية منظمة المؤتمر الإسلامي ، إلى إيقاف نزيف الدم المستمر في العراق نتيجة الجرائم التي ترتكبها ميليشيات وتنظيمات أعماها التعصب الطائفي بحق أبناء بلدهم من الطوائف الأخرى.

إن الكارثة التي تحيق بالعراق غير مسبوقة في التاريخ العربي والإسلامي الحديث وهي تعيد هذه الأمة إلى بدايات الفتنة المريرة ، وهذا ما يجعل المسؤولية العربية والإسلامية كبيرة وبحجم التحدي الذي تطرحه التوجهات الطائفية في العراق والتي تهدد بإحداث انقسام مريع في الأمة الإسلامية.

إن إعلان المصالحة الدينية يمثل خطوة رئيسة في تجنيب العراق ويلات التقسيم والطائفية ولكن هذا لن يتم بوثيقة فكرية يمكن أن يستوعبها المتعقلون وذوو الألباب بل يجب أن يرتكز إلى عمل ميداني وأمني لمنع المتطرفين والطائفيين ودعاة الفرقة والانقسام من فرض أجندتهم على العالم الإسلامي.

وثيقة المصالحة الدينية تتضمن كل المبادئ والخطوات المطلوب اتخاذها لوقف التدهور في العراق ومنها التأكيد على حرمة أموال المسلمين ودمائهم وأعراضهم" و"التأكيد على ضرورة المحافظة على دور العبادة للمسلمين وغير المسلمين" و"التمسك بالوحدة الوطنية الإسلامية" وتدعو إلى "إطلاق سراح المختطفين الأبرياء وكذلك الرهائن المسلمين وغير المسلمين". كذلك تحث الوثيقة"على أن يكون السنة والشيعة صفا واحدا من أجل استقلال العراق ووحدة ترابه" وتدعو إلى "نبذ إطلاق الأوصاف المشينة على السنة والشيعة".

كل هذه المبادئ خطوة مهمة جدا ولكن من الضروري أن تصل إلى عقول آلاف الشباب ممن غرر بهم قادة الطائفية وحولهم إلى أدوات للقتل والتعصب. إن تنفيذ هذه المبادئ يتطلب إيمانا وقناعة تامة من القادة الدينيين والسياسيين في العراق وإلى التزام بفرض هذا التوافق على عناصر الميليشيات.

ما نتمناه هو أن تتمكن القوى الشيعية العقلانية من زجر الميليشيات وردعها عن القتل الذي يستهدف السنة وتفكيك فرق الموت وميليشيات وزارة الداخلية والشرطة التي تفكر بعقلية طائفية ،

ونتمنى أيضا أن تتمكن القوى السياسية والسنية والعشائر السنية في الرمادي والأنبار وصلاح الدين وتكريت ومناطق بغداد من محاصرة تنظيم القاعدة ومنعه من ارتكاب الجرائم الإرهابية والحفاظ على وحدة العراق من محاولات التقسيم والتعصب المشبوهة التي يطرحها تنظيم القاعدة.

كل جهد يهدف إلى وقف الاحتراب في العراق هو جهد مبارك ومشكور سائلين المولى ـ عز وجل ـ أن يجزي اصحابه ، وكل جهد يهدف إلى بث الفتنة الطائفية والتقسيم والكراهية هو عمل مرفوض يهدم قواعد الدولة العراقية ووحدتها مهما كان المبرر وراءه ،

ولهذا .. نحس بالكثير من الأمل في نجاح وثيقة المصالحة العراقية ولكننا لن نبالغ في التوقعات الإيجابية إذا لم يتحمل القادة العقلانيون من السنة والشيعة في العراق مسؤوليتهم تجاه تنفيذ هذه الوثيقة وفرضها على السلوكيات غير المنضبطة لعناصر الميليشيات وحملة السلاح والشباب المغرر بهم ، فالحد الفاصل في نجاح هذه الوثيقة يكمن في تجاوز عقلية الطائفة والتقسيم إلى وحدة الإسلام والأمة والدولة العراقية وهي قفزة ذهنية بحاجة إلى قادة استثنائيين يصنعون التاريخ وينقذون العراق من مخطط مرعب أعده أعداء العراق والراغبون في إسقاطه .. إلى دويلات متحاربة.