سواء كان عدد القتلى العراقيين، منذ غزو العراق واحتلاله، نحو ثلاثين ألفاً، كما يزعم الرئيس الأميركي جورج بوش، أو 655 ألفاً كما يؤكد أساتذة وباحثو جامعة جون هوبكنز الأميركية، فإن جريمة القتل ثابتة ضد الولايات المتحدة وبريطانيا واسبانيا، وهي الدول الثلاث التي أعلنت من جزر الأطلنطي الحرب على العراق قبل ثلاثة أعوام.
الجريمة التي لا تزال مستمرة في العراق، ينطبق عليها توصيف جرائم الإبادة الشاملة، وهي جريمة ضد الإنسانية تستحق المساءلة أمام الجهة الدولية المختصة بهذا النوع من الجرائم، وهي المحكمة الجنائية الدولية، لكن المشكلة تكمن في من يرفع هذه الجريمة إلى المحكمة للتحقيق فيها.
من الصعب هنا التعويل على الحكومات أو حتى على جامعة الدول العربية، فهم أضعف من إغضاب أميركا أو بريطانيا، فالحرص أذل الأعناق.ما يمكن التعويل عليه هو جهود المؤسسات الشعبية العربية ومنظمات المجتمع المدني. وتلك المؤسسات يمكن أن تكون الاتحادات النقابية العربية، كاتحاد المحامين العرب أو اتحاد الصحافيين العرب أو اتحاد الأطباء العرب ... و... و منفردين أو مجتمعين.
ويمكن أن تكون نقابات محلية عربية مثل: نقابة المحامين أو الصحافيين أو الأطباء أو الصيادلة ـ مجتمعين أيضاً أو منفردين ـ في أية دولة عربية.أما منظمات وجمعيات المجتمع المدني فمعروفة مثل منظمات حقوق الإنسان بشكل خاص، أو حتى المنظمات ذات الطابع الفردي كمكاتب المحامين والقانونيين التي يمكنها اللجوء مباشرة إلى المحاكم العادية في أي دولة من العالم.
أي من هؤلاء باستطاعته جمع الإحصاءات والدراسات التي قامت بها المؤسسات العربية والغربية حول الضحايا والقتلى العراقيين وتقديم بلاغ قضائي أمام المحكمة الجنائية الدولية ومطالبتها بمحاكمة الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء البريطاني ورئيس الوزراء الاسباني السابق خوسيه أثنار، أو ضد حكومات البلدان الثلاثة،
فهؤلاء هم المسؤولون عن موت آلاف العراقيين سواء كانوا ثلاثين ألفاً كما قال بوش مستهيناً بأرواح هؤلاء الضحايا، أو كما قالت جامعة جون هوبكنز الأميركية بأنهم 655 ألفاً، المهم هناك جريمة تقع وتصنف دولياً ضمن جرائم الإبادة الشاملة التي لا تزال ترتكب بحق العراقيين تحت الاحتلال، وما كان لهذه الجرائم ضد الإنسانية أن تقع وترتكب لولا الجريمة الأساسية وهي غزو العراق واحتلاله بالمخالفة لمبادئ الشرعية الدولية.
أدلة الاتهام متوفرة والمحكمة الجنائية الدولية قادرة على التحقيق فيها وفقاً لقانونها. نحن أمام جريمة ثابتة وموثقة، وأمام جناة معروفين لكن من يمتلك شجاعة رفع الأمر إلى المحكمة. هذا هو التحدي الحقيقي أمام المؤسسات والمنظمات الشعبية العربية، واختبار لمدى مصداقيتها حول التمسك بالسيادة الوطنية وحماية الحقوق والحريات العامة، كذلك باستطاعة أي قانوني عربي إقامة دعوى أو دعاوى أمام أية محكمة أوروبية أو أميركية أو حتى عربية تجاوزاً.
إن كل الذرائع التي ساقتها الولايات المتحدة وحلفاؤها لغزو العراق سقطت، بداية من أكذوبة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل مروراً بعلاقة نظام العراق السابق بتنظيم القاعدة وصولاً إلى زيف دعاوى الغزو من أجل تطبيق الديمقراطية.كل الذرائع سقطت لكن الجريمة حية أمام عيون الجميع مع توافر كم هائل من أدلة الاتهام باعتراف مؤسسات الحكم الأميركية والبريطانية والاسبانية ذاتها.
إن المؤسسات النقابية ومنظمات المجتمع المدني ـ على قلتها ـ قادرة على تحدي الضغوط التي سوف تتعرض لها حتماً، إن عملت سوياً وبصدق ـ من خلال لجنة عربية أو لجان وطنية ـ على انتشال العراق من محنته، وأول علاج لهذه المحنة هو فضح جرائم الاحتلال دولياً من خلال المحكمة الجنائية الدولية، وإجباره دولياً على الجلاء مهزوماً عن العراق.
لقد قدمت أميركا الرئيس اليوغسلافي السابق ـ بغطاء من مجلس الأمن ـ إلى محاكمة دولية خاصة وتم احتجازه حتى مات داخل زنزانة، وقيل إنه قتل. كما قدمت فرنسا وأميركا ـ بغطاء من مجلس الأمن أيضاً ـ مرتكبي مجازر رواندا وبوروندي إلى محاكمة مماثلة فتم سجن بعضهم، ومنهم مسؤولين كبار، وكذلك حدث الأمر مع قادة بوسنيين وصرب. فماذا يمنع من تكرار الأمر مع المجرمين الدوليين الكبار ـ حكومات وأفراد ـ أمام المحكمة الجنائية الدولية؟
لا شيء سوى التواطؤ الرسمي والتراخي الشعبي العربي.إن التحرك السريع مطلوب حتى لا يكون مصيرنا مستقبلاً كمصير العراقيين، فالسفاح الغربي لن يتوقف عن الإيغال في الدم العربي. وعدد القتلى لن يتوقف أبداً عن 655 ألفاً، لأن آلة الذبح اليومي على غاربها.. فمن ينقذ رأسه منها اليوم قبل الغد؟