على أعتاب انعقاد قمة الناتو في لاتفيا أواخر الشهر المقبل بدأت الأوساط العسكرية الروسية مرة أخرى تثير عددا من قضايا الخلاف بين روسيا وحلف شمال الأطلسي والتي اعتبرتها هذا الأوساط تهدد مصالح وأمن روسيا. ولعل تعديل معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية في أوروبا من ابرز الملفات الساخنة، والتي تعتبر موسكو أن الناتو يماطل في المصادقة عليها.
وتعتقد قيادة هيئة الأركان الروسية أن الناتو يستهدف من هذه المماطلة إعادة انتشار القوات الأميركية ونقلها من غرب أوروبا إلى دول أوربا الشرقية. وبالرغم من تصريحات وزير الدفاع الروسي سيرجي إيفانوف التي هدد فيها بانسحاب روسيا من المعاهدة بسبب مماطلة دول الناتو في المصادقة عليها، إلا أن الناتو لم يتجاوب مع مطلب موسكو.
بل أجرت واشنطن مفاوضات مع حكومة بوخارست والحكومة البلغارية حول إمكانية إقامة قواعد عسكرية أميركية على أراضي البلدين، وقد وافقت رومانيا على السماح للقوات الأميركية بإقامة قواعد عسكرية صغيرة كنقاط ارتكاز من أجل تأمين العمليات المحتملة في الشرق الأوسط.وتعتبر هذه الاتفاقات التي عقدتها واشنطن مع بوخارست وصوفيا انتهاكا لمعاهدة الحد من الأسلحة التقليدية في أوروبا .
وتعتقد الأوساط السياسية الأوروبية أن انسحاب روسيا من معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية في أوروبا لن يؤدي إلى عواقب سياسية خطيرة، في نفس الوقت الذي لا يمتلك الغرب وسائل للضغط على روسيا لمنعها من الانسحاب من المعاهدة. وتجدر الإشارة إلى أن البرلمان الروسي قد صادق على هذه الاتفاقية في صيف عام 2004 بعد مرور أكثر من عامين على اتفاق الدول المشاركة فيها على صيغتها المعدلة.
كما وقع على المعاهدة المذكورة حوالي 30 بلدا من أوروبا بالإضافة إلى الولايات المتحدة وكندا.ولم تصادق على المعاهدة المعدلة سوى برلمانات 3 دول فقط ، وهي أوكرانيا، وبيلاروسيا، وكازاخستان. وتنص الاتفاقية المذكورة على تحديد نشر الأسلحة التقليدية في البلدان المشاركة في المعاهدة مما سيساعد على تعزيز الاستقرار في مجال الأسلحة التقليدية في قارة أوروبا،
وتسعى روسيا لإقرار التعديلات المذكورة على المعاهدة باعتبار أنها ستحد من الآثار السلبية لتوسع حلف الناتو على أمن روسيا، حيث ستلزم الدول الأوروبية بتقليص قدرات قواتها العسكرية التقليدية، وتقليل إمكانيتها الهجومية.حيث سيتم تقليص أسلحة 19 بلدا عضوا في حلف شمال الأطلسي،
ووفقا للصيغة المعدلة من المعاهدة سيكون تسليح هذه القوات على الشكل التالي: 4800 دبابة، و4 آلاف عربة مدرعة، و4 آلاف مدفع، حيث إن حجم التسليح المذكور يكفي لتسليح 10 فرق ميكانيكية وفق معايير حلف الناتو. بينما لن يؤدي دخول المعاهدة المعدلة حيز التنفيذ إلى خفض مستوى التسلح في روسيا.
ويأتي إصرار الكرملين على هذه التعديلات بعد قمة الناتو في باريس عام 2002 التي أثارت قلق موسكو، عندما أعلنت أن قبول الدول السبع المذكورة في الناتو يتم على أساس «معايير نوعية» مخفضة لحد كبير، باعتبار أن جيوش الأعضاء الجدد عمليا غير قادرة على العمل المشترك مع القوات المسلحة الأميركية الأوروبية.
مما يعنى أن الولايات المتحدة تؤيد توسع الناتو المخالف لاعتبارات الجدوى العسكرية من أجل تعزيز مواقعها السياسية في أوروبا. إن انضمام دول جديدة إلى حلف شمال الأطلسي في ظروف عدم إبرام المعاهدة المعدلة حول الحد من الأسلحة التقليدية في أوروبا يثير قلق الدوائر العسكرية و السياسية الروسية.
خاصة أن دول البلطيق التي انضمت إلى الناتو، لم تدخل ضمن نطاق التقييد التي تفرضها المعاهدة المذكورة. أما انضمام رومانيا وبلغاريا وحدهما فيؤدي إلى تعدي القيود المفروضة بالمعاهدة على انتشار الدبابات والمصفحات والمدافع بقدر2200 دبابة و3300 مصفحة و2000 مدفع لصالح الناتو.
ولابد من القول إنه بانضمام هذه الدول إلى الحلف، لا توجد أية عوائق لنشر قوات وأسلحة الناتو على أراضي دول البلطيق. وقد باءت محاولات موسكو بالفشل في تجنب هذا التوسع أو الحصار الأطلسي بتقديم مقترح لدول البلطيق بالمصادقة على معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية قبل انضمامها إلى الناتو بما تضمن هذه المعاهدة للدول المذكورة من حصص قومية وإقليمية للأسلحة.إلا أن دول البلطيق رفضت هذا الاقتراح، باعتباره محاولة لممارسة الضغط على الدول ذات السيادة.
وتعتبر هيئة الأركان الروسية أن الخلاف الذي يتفاقم في إطار استمرار الجهود المكثفة لتغيير الخارطة الجيوسياسية للعالم لا يقتصر على ملف معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية، وإنما يتضمن أيضا عدد كبير من التهديدات الأخرى يصعب على المرء أحيانا التنبؤ بها بل وإدراكها. كما ظهر ميل إلى اتساع رقعة النزاعات لتشمل ضمنا مجال المصالح الحيوية الروسية.
ويسود اعتقاد في الأوساط العسكرية الروسية أن الدعوة التي وجهتها قيادة الناتو إلى أوكرانيا للانضمام إلى الحلف، وإلى جورجيا التي تتطلع إلى ذلك بتشجيع من الأميركيين وحماتها في واشنطن. بالإضافة إلى أذربيجان التي تسعى الولايات المتحدة إلى إقامة قاعدتها العسكرية ومحطاتها الرادارية بحجة مراقبة إيران ولكن في الواقع من أجل ترسيخ أقدامها في هذا البلد الغني بالنفط على شاطئ قزوين.
ويعتقد الجنرال يوري بالويفسكي رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية أن القتال المعاصر قد شهد تغيرات عميقة. فقد أدى التقدم العلمي والتكنولوجي إلى ظهور نماذج جديدة من الأسلحة والآليات الحربية يسيرها العقل الصناعي. وارتفعت القدرات القتالية للقوات حيث اكتسب عملها بوضوح طابعا مشتركا بين أصناف يجمع بين القوات والوسائل الناشطة في مختلف المجالات الطبيعية. كما تغيرت أشكال وأساليب استخدام القوات المسلحة بل وتغير مفهوم «القوة العسكرية» بعينه».
ولعل هذا الوضع الجديد كان السبب المباشر الذي دفع هيئة الأركان العامة البدء في إجراء تغييرات جذرية في بنية الجيش والأسطول الروسيين، تتضمن تشكيل «محاور عملياتية - إستراتيجية» بدلا من المناطق العسكرية الموجودة حاليا والانتقال من تنظيم القوات المسلحة القائم على الفرق والجيوش إلى أشكال أخرى أكثر مرونة وقدرة على المناورة للتشكيلات والوحدات العسكرية مثل ألوية وفيالق أي إلى تنظيم مجموعات عسكرية تشمل مختلف الأصناف.
مركز دراسات الطاقة - موسكو