الرعب الأميركي بعد التفجير النووي الكوري، والمخاوف من التهديد النووي الإيراني يراه العديد من المراقبين نتيجة منطقية لإقدام أميركا على غزو العراق، فلولا الغزو الأميركي ما أسرعت كوريا لامتلاك سلاح الردع، وما خافت أميركا من هواجسها باحتمال مسارعة إيران لامتلاك السلاح النووي الرادع لتهديداتها.
ولولا الاحتلال الأميركي غير المشروع للعراق بدعاوى ذائفة ثبت كذبها حول برامج التسليح النووي العراقي، ما وقعت أميركا في الورطة العراقية بعدما أ حدثت من فوضى سياسية، واضطراب أمني، ودمار اقتصادي، وتهديد بتقسيم الوطن العراقي، والتفجير الدموي الطائفي والمذهبي لسلمه الأهلي ووحدته الوطنية.
و لولا التأييد الأميركي الجائر للاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية، بالرغم مما يمتلكه من سلاح نووي وما يرتكبه من مجازر يومية ضد المواطنين الفلسطينيين، وما يمارسه من دمار وإرهاب واغتيالات وهدم بيوت وخطف بشر وحصار اقتصادي، لما فقدت أميركا المصداقية لدى الشعوب العربية والإسلامية في كل ما ترفعه من شعارات وما تطرحه من دعاوى.
إن ما جرى رفعه من دعاوى حول الملف النووي العراقي جرى ويجري مثله حول الملفات النووية لكوريا وإيران، وقد جاء الغزو الغاشم للعراق (الضلع الأول في محور الشر الأميركي) ليدفع كوريا ( الضلع الثاني في هذا المحور) للحذر من غزو أميركي مماثل فدفعها إلى الإسراع إلى امتلاك السلاح النووي لردع التهديد الأميركي.
والمسألة الأولى التي تشغل «واشنطن» والغيمة الوهمية التي تلبد سماءها الآن بعد التهديد النووي الكوري الذي أصبح واقعا، وما أحدثه من ارتباك، وتبدل في موازين القوى، هي ما تتوقعه من تهديد نووي إيراني محتمل بتأثير نفس الدوافع التي دفعت كوريا للحصول على السلاح النووي.
وهوما تعتبره واشنطن « تهديد للأمن القومي الأميركي» وهي في الواقع تعني أنه تهديد «للأمن الإسرائيلي »،حيث أن الغيمة الحقيقية هي في سماء«تل أبيب»قبل أن تغيم على واشنطن ،خصوصا مع انكشاف تأثير اللوبي الصهيوني على توجهات السياسة الأميركية تجاه المنطقة العربية والإسلامية، بينما ترى تل أبيب أن تهديد إيران «خطر على الغرب قبل أن يكون خطرا على إسرائيل»!
وقد انشغلت دول الغرب تبعا للانشغال الأميركي بهذا الملف وشغلت معها العالم وأثارت القلق والمخاوف بشأنه لدى دول الشرق أيضا، ولأن الدول العربية من بين دول الشرق ولأن دول الخليج من بين الدول العربية فلقد أصابها نوع من القلق أيضا. .
بعض هذا القلق له ما يبرره ويمكن تبديده كدول عربية إسلامية بالحوار الشفاف مع الجارة إيران الإسلامية، والوصول إلى تنسيق إقليمي مشترك للأمن المشترك على ضفتي الخليج العربية والفارسية باعتبار أن ما يربطنا من تاريخ وعقيدة وجوار ومصالح وأمن مشترك، يحتل مساحات أكبر بكثير من دواعي الخوف الوهمي أو القلق المبرر المتبادل.
وقد أعادت إيران وفق الإشارات والرسائل العديدة من قادتها ومسؤوليها رسم سياستها على أساس الواقعية السياسية والمصالح المتبادلة مع دول الجوار العربي، وعلى أساس مواجهة محاولات الهيمنة الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية على المنطقة العربية والإسلامية.
كما تضع إسرائيل العدو الأول لها باعتبارها أن القضية الفلسطينية هي قضية المسلمين الأولى، وأن إسرائيل هي الوجه العدواني والقاعدة الإقليمية للهيمنة الأميركية، وهو ما تجلى في دعمها للمقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله في تصديها البطولي للعدوان الإسرائيلي بدعم أميركي على لبنان.
وقد قابلت أميركا والغرب هذه السياسة بمحاولة عزل إيران أو احتوائها ونجحت نسبياً في ذلك بإدخالها في حرب إقليمية مع العراق استمرت ثماني سنوات، ، وها هي تحاول حاليا وضعها في مواجهة مع المجتمع الدولي عن طريق التشكيك بنواياها السلمية فيما يخص البرنامج النووي الإيراني.ثم تطورت السياسة الأميركية الداعمة لإسرائيل والمستلهمة لمصالحها في المنطقة بإدخال إيران بعد اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر.
فيما أسمته «محور الشر»الذي وضعت به واشنطن مع إيران العراق وكوريا الشمالية. وبعد غزوها لأفغانستان في وسط آسيا تسعى أميركا وإسرائيل في محاولات متوالية ومتعددة الجبهات إعلامياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً لممارسة ضغوط كبيرة على إيران ، تضاعفت بعد احتلالها غير الشرعي للعراق أحد أضلاع «مثلث الشر». على حد الزعم الأميركي.
وتتركز ساحة المواجهة الإيرانية الأميركية الإسرائيلية حالياً على جبهتين. . محاولة اتهام إيران بمحاولة امتلاك سلاح نووي ونقل الملف إلى مجلس الأمن بهدف فرض عقوبات دولية عليها ، والساحة الأخرى هي محاولة عزل وحصار إيران في منطقتي الخليج العربي وآسيا الوسطى.
في الخليج. . تسعى الجهود الأميركية الإسرائيلية الأطلسية لعزل إيران عن دول الخليج العربية بهدف تطويقها وحصارها وتغيير نظامها السياسي، عن طريق إثارة واستغلال المشاكل الحدودية و الحساسيات المذهبية، وباحتلال العراق ووصول القوات الأميركية إلى الحدود الإيرانية العراقية كان من بين أحد الأهداف توجيه رسالة تهديد واضحة للنظام الإيراني فإما أن يرضخ للشروط الأميركية،
وإما أن تجرى محاولة تغييره وإما أن تجرى عملية تهديده بالعقوبات وابتزازه سياسيا بتأليب العالم ضد إيران ومحاولة عزلها وحصارها تحت غطاء الملف النووي وهو ما يجري الآن. وفي آسيا الوسطى التي تمثل بابا مفتوحاً على الخليج العربي بصفة خاصة، وعلى منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة، ما يجعلها عمقاً للمنطقتين وامتداداً لهما،
مما يدخلها ضمن المخطط الأميركي في إطار خطط الهيمنة على المنطقة العربية والإسلامية تحت اسم مشروع «الشرق الأوسط الكبير»تسعى أميركا بتنسيق مع إسرائيل إلى إعادة ترتيب أوضاع الشرق الأوسط وآسيا الوسطى لتصبح منطقة واحدة ليست تحت المظلة الطبيعية الإسلامية ولكن تحت الهيمنة الأميركية ذات الذراع الإسرائيلية.
ومع الأزمات السياسية والعسكرية التي تواجهها أميركا في العراق ومع زيادة أعبائها في أفغانستان، وسط معارضة عربية وإقليمية لغزوها للبلدين ووسط تحفظات دولية على استمرار احتلالها للبلدين المسلمين، ومع مطالبة قائد الجيش البريطاني من بلير الانسحاب الفوري من العراق وتحول أميركا الآن إلى البحث عن أطر وآليات جديدة للخروج من مأزقها الحالي بغطاء لماء الوجه.
فقد خسرت أميركا واستفادت إيران من الورطة الأميركية في المنطقة بعكس توقعات أميركا أنها الهدف التالي بعد العراق، وأن طهران جنت بذكاء ثمار غباء السياسة الأميركية، التي تصرفت كالدبة فأخرجت باحتلالها للعراق الدولة العراقية كلها، وليس النظام العراقي فحسب من المعادلات الإقليمية في المنطقة الخليجية لصالح إيران، وفي منطقة الشرق الأوسط لصالح إسرائيل، ودفعت كوريا إلى الشعور بالتهديد بالغزو فسارعت لامتلاك سلاح الردع النووي.
«لقد جنت أميركا ثمارا مرة لسياستها العسكرية المعتمدة على القوة بينما جنت إيران مجموعة من الثمار السياسية الإيجابية، وفي الوقت الذي تحاول فيه حرمان إيران من حقها الطبيعي الوارد في معاهدة حظر الانتشار النووي بامتلاك برنامج نووي للأغراض السلمية، وتحاول تخويف العرب ودول الجوار وإيهامهم بخطر ذلك البرنامج النووي السلمي الإيراني».
بينما العرب لم تعد تقنعهم الدعاوى الأميركية بعد أن جربوا كذبها وكارثيتها في العراق، خصوصا إذا ظلت متجاهلة بل متعامية عن الخطر الحقيقي والتهديد القائم بالفعل والمتمثل في إسرائيل وفي امتلاكها لأسحله الدمار الشامل وعلى رأسها السلاح النووي وهو الخطر القائم الذي يهدد فعلاً الدول العربية والإسلامية أكثر من أي خطر محتمل غيره.
كاتب مصري