اعتباراً من الأول من أمس لن تحتاج السلطات الأمنية في الولايات المتحدة الى إرسال مشتبه بهم إلى دول عربية واسلامية لاعتقالهم تحت التعذيب الى اجل غير محدود او تقديمهم إلى محاكم «أمن الدولة» ذات الأحكام الجاهزة مسبقاً. فقد مهر الرئيس بوش بتوقيعه وختمه قانوناً جديداً يضفي شرعية قانونية لا راد لها على السجون السرية التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية وممارسات التعذيب المتنوعة التي تجري فيها على المعتقلين المشتبه بهم في جرائم الإرهاب وسلبهم حقهم القانوني في المطالبة بمعرفة سبب الاعتقال.

وهكذا، وبينما يبشر بوش ورجاله بنشر الديمقراطية ومبادئ سيادة القانون والعدالة في الشرق الأوسط، فإنه يتخذ خطوات عملية لاستكمال تحويل الولايات المتحدة نفسها إلى دولة بوليسية أشبه ما تكون بالنموذج السائد في البلدان العربية والإسلامية. بموجب القانون الجديد تستطيع السلطة العليا الأميركية الآن اعتقال أشخاص لمدة غير محددة ورفع الحماية القانونية عما يتعرضون له من تعذيب وكل ألوان سوء المعاملة ومحاكمة أشخاص بناء على أدلة غير ثابتة وإجراء محاكمات بناء على أقوال شهود أو متهمين تنتزع منهم عن طريق التعذيب البدني والنفسي.

وينص القانون كذلك على إقامة محاكم عسكرية «خاصة» لمحاكمة المئات من العرب والمسلمين في معسكر غوانتانامو والذين يظلون تحت الاعتقال والتعذيب من دون محاكمة لمدى خمس سنوات حتى الآن. وبينما سبق أن اعترف الرئيس بوش بأن هناك سجوناً سرية خارج الولايات المتحدة وداخلها تديرها وكالة الاستخبارات المركزية فإن القانون الجديد يضفي شرعية قانونية لهذه السجون سيئة الصيت.

وبموجب هذا القانون يمكن أن يبقى أشخاص رهن الاعتقال من دون أن توجه اليهم اتهامات او يقدموا الى اي محاكمة الى ان يموتوا داخل المعتقل. فالقانون يحرم المعتقلين من أي حقوق قانونية للطعن في سبب الاعتقال وظروفه. وتكاد كل فقرة من هذا القانون تعكس انحطاطاً حضارياً لا مثيل له حتى في أقصى دكتاتوريات العالم الثالث المتخلف.

فهو يسمح بمحاكمات مبينة على شهادات سماعية. في البلدان العربية والإسلامية تتمتع الأجهزة الأمنية بسلطات مطلقة في الاعتقال دون إذن قضائي. وينتهي الأمر في أكثر الحالات إما بموت المعتقل موتاً طبيعياً بسبب طول فترة الاعتقال أو بلفظ نفسه الأخير من فرط التعذيب أو «يختفي».ولا تختلف النتيجة إذا قدم المتهم إلى محكمة «أمن الدولة». فالحكم الذي تصدره المحاكم في مثل هذه الحالات، وهي محاكم يترأسها «قضاة» عسكريون، عادة ما يكون الإعدام.

وكما ان الأحكام التي تصدرها محاكم أمن الدولة في العالم العربي والإسلامي غير قابلة للاستئناف فإن القانون الأميركي الجديد يتضمن أيضاً نصاً مماثلاً. وعندما ينظر رئيس الجمهورية في بلد عربي أو إسلامي في حكم صادر عن محكمة أمن الدولة للتصديق عليه فإنما يفعل ذلك بوصفه «الحاكم العسكري» لأن مثل هذه المحاكم أنشئت بموجب «حالة طوارئ» لا نهاية لأمدها. وهكذا وبموجب القانون الأميركي يصبح جورج بوش الحاكم العسكري للولايات المتحدة.