من خير بقاع الأرض وفي أجواء روحانية مفعمة بالأمل والتفاؤل، تصدر «وثيقة مكة» وهي تحمل لغة التسامح والمودة والمحبة بين أبناء أرض الرافدين مهد الحضارة الإنسانية وموطن أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام. الوثيقة التي اتفق عليها كبار علماء العراق من سنة وشيعة، كفيلة ـ إذا طبقت على أرض الواقع ـ بأن تخمد نيران فتنة طائفية يريد أن يشعلها الذين يحلمون برؤية العراق أشلاء ممزقة وأبنائه شيعا متفرقة، وبالتالي يسهل عليهم نهب ثرواته وخيراته.
الوثيقة تدشن لعهد جديد يسوده السلام الاجتماعي بين طوائف الشعب. فهي تدعو إلى نبذ العنف واحترام التقاليد المذهبية والشعائر والطقوس الدينية للسنة والشيعة وعدم المساس بالحرمات لديهما. وحرص الذين أعدوا الوثيقة على تحريم سفك دماء العراقي والاحتكام إلى الحوار.
والى جانب ذلك، فانه أمر طبيعي ألا تغفل وثيقة مكة عن ضرورة العمل على إنهاء الاحتلال الأجنبي الذي اعترف قائد الجيش البريطاني السير ريتشارد دانات قبل أسبوع بأنه يفاقم المشاكل الأمنية في العراق. والأكثر من ذلك يأتي على لسان جنرالات البنتاغون، وعلى رأسهم الجنرال وليام كالدويل الناطق باسم القوات الأميركية في العراق، فقد اعترف بأن أعمال العنف زادت بشكل كبير منذ بدأت القوات الأميركية تنفيذ خطتها الأمنية في العاصمة بغداد، وهناك اعتراف أميركي ضمني بأن الأوضاع العراقية تسوء يوما بعد يوم.
لقد حرصت المرجعيات الدينية العراقية، وخاصة المرجع الشيعي آية الله علي السيستاني على دعم ومباركة الوثيقة. ونقلت صحيفة الصباح العراقية عن مدير اعلام ديوان الوقف الشيعي صلاح عبد الرزاق أن المرجعيين الشيعيين آية الله محمد اليعقوبي وآية الله بشير النجفي أكدا تأييدهما ومباركتهما لوثيقة مكة.
اننا نأمل ونحن نودع شهر الصوم الكريم شهر التراحم والتسامح أن يكون عيد الفطر المبارك،عيد الوفاق والتصالح والتلاحم بين أبناء أرض الرافدين الذين يتطلعون إلى بناء وطنهم الذي يتربص به أعداء الأمة. لقد عانى العراقيون طويلا، وآن لهم أن يستردوا عافيتهم ويدشنوا لمرحلة جديدة لا تفرقة فيها بين أبناء الوطن الواحد الذي يزخر بخيرات وثروات لا حصر لها كفيلة بأن تحقق للعراق نهضة شاملة لكل أبنائه.
حدث آخر نأمل من ورائه خيرا لأبناء فلسطين الغالية، ويتزامن مع وثيقة مكة المكرمة. وهو اتفاق حركتي حماس وفتح على نزع فتيل العنف الداخلي الذي أفزعنا وأثار مخاوف من اندلاع حرب أهلية بين أبناء الأرض المحتلة. ويقول الناطق باسم فتح توفيق أبوخوصة أن الحركتين اتفقتا على دعم الحوار بينهما باعتباره الوسيلة الوحيدة لتسوية الخلافات.
اتفاق الطرفين قائم على إنهاء كل المظاهر المسلحة والتوتر بما في ذلك تراشق الاتهامات والسجال على المستوى الإعلامي. ان شعبنا العربي في فلسطين المغتصبة يواجه الآن أبشع صور المعاناة في ظل حصار لا نقول إنه إسرائيلي إجرامي فحسب بل يمتد لأكثر من ذلك، فقد تكالبت قوى عظمى على معاقبته اقتصاديا دون أي اعتبار للأعراف والمواثيق الإنسانية.
الفلسطينيون الصامدون، يعيشون عشية عيد الفطر المبارك في ظل حالة من التدهور الاقتصادي لا يسأل عنها سوى المجتمع الدولي العاجز عن ردع الاحتلال. وما نأمله، هو أن يحافظ إخواننا في فلسطين الغالية على رباطة جأشهم ووحدة صفوفهم، وأن يفوتوا الفرصة على إسرائيل التي تغذي الفتنة وتحلم بان يتقاتل الفلسطينيون حتى تضيع قضيتهم ويتبدد حلمهم في إقامة دولتهم المستقلة.
ونحن نعيش أياما مباركة، نأمل أن تموت الفتنة سواء في العراق أو فلسطين أعز بلدين إلى قلوب العرب والمسلمين.