كنا نعتقد أن قضية أستاذ الفلسفة الفرنسي الذي يشتغل في مدينة تولوز سوف تنتهي بعد بضعة أيام من الضجة ولن تأخذ كل هذه الأبعاد التي أخذتها لاحقا. ولكنها لا تزال تتوالى فصولا حتى الآن. وقد أجبرت معظم المثقفين على النزول إلى ساحة المعمعة للإدلاء بآرائهم سواء على شاشات التلفزيون أو من خلال المقالات والمقابلات الصحافية أو من خلال التوقيع على بيانات الدعم والتأييد لشخص يقال لنا بأنه مهدد في حياته.
وقالوا ان الفتوى الصادرة عن بعض المهووسين المتطرفين أجبرته على الانقطاع عن عمله وتغيير منزله كل يوم وتشريد زوجته وأطفاله. ولذلك فإن جميع المثقفين يتعاطفون معه بمن فيهم أولئك الذين صدمتهم أطروحاته الفجة والمبتسرة عن الإسلام ونبيه الكريم. ربما كان أكثر رد فعل أعجبني وأدهشني هو ذلك الذي صدر عن المفكر التونسي المعروف الدكتور محمد الطالبي إذا كان ما نقلوه عنه صحيحا.
فقد صرح لمجلة النوفيل اوبسرفاتور قائلا وموجها كلامه للمثقفين الفرنسيين: دافعوا عن حرية التفكير والتعبير بكل قواكم فهي أغلى شيء في الوجود. ونحن نفتقدها في العالم العربي الإسلامي إلى درجة أننا نتمنى الحفاظ عليها حيث هي: أي في أوروبا. أقول ذلك على الرغم من استنكاري الشديد لما ورد في مقالة هذا الفيلسوف الفرنسي الجاهل بحقائق الإسلام ونشأته وتاريخه. لكأن الأستاذ الطالبي يريد أن يقول لنا: أما يكفينا أن المتزمتين قتلوا الحرية عندنا حتى يذهبوا ويقتلوها عند غيرنا؟
بعض المثقفين العرب الآخرين أدانوا الفتوى أيضا ولكنهم عبروا عن استيائهم من العنف اللفظي الوارد في مقالة ريديكير التي كشفت عن جهل عميق بالإسلام وقيمه. وقد وقعوا على بيان بهذا الخصوص. نذكر من بينهم الباحث التونسي يوسف الصديق الذي قدم مؤخرا تفسيرا حديثا للقرآن الكريم بالإضافة إلى الكاتب المعروف الطاهر بن جلون وآخرين عديدين كما ذكرت النوفيل أوبسرفاتور.
أما الباحث التونسي فتحي بن سلامة فقد وقع أيضا على بيان آخر للدفاع عن روبير ريديكير في الوقت الذي لامه على إشاعة الطاعون الانفعالي لنرجسية الجماهير: أي اللعب على وتر الغرائز التحتية الضيقة للجماهير الأوروبية التي تحمل صورة سلبية عن الإسلام منذ العصور الوسطى وحتى اليوم وليست بحاجة إلى من يهيجها أكثر فأكثر ضده... وبالتالي فما كان ينبغي عليه أن يقع في نفس المطب.
أما أوساط المفكر الجزائري الكبير محمد أركون فهي مستاءة أيضا من سلسلة هذه الفضائح التي لا تتوقف عن الإسلام. وهي ترى أن هذه القصص المفتعلة أحيانا تعرقل العمل الفكري الجاد الذي انخرط فيه بعض المثقفين المستنيرين لتجديد الفكر الإسلامي ومصالحته مع العقلانية والحداثة. وبالتالي فينبغي أن يكف الغرب عن هذه الصدامات المجانية التي لا تؤدي إلى نتيجة تذكر.
هذا عن المثقفين العرب المقيمين في باريس، فماذا عن المثقفين الفرنسيين؟ من جملة المقالات وردود الأفعال العديدة التي صدرت في الأيام القليلة الماضية لفتت انتباهي مقالتان في جريدة «الفيغارو» ذاتها التي كانت أصل الفضيحة. وقد نشرتا في الصفحة الواحدة على الرغم من أنهما تعبران عن وجهتي نظر متناقضتين تماماً.
وهذا أكبر دليل على أن حرية التعبير وحق الاختلاف والتعددية الفكرية مضمونة في هذه الجريدة الفرنسية العريقة. أقول ذلك ونحن نعلم أن جريدة الرأي الواحد أو الصوت الأوحد هي جريدة الموت والملل والفشل. فلنترك الآراء تتصارع مع بعضها البعض حتى تتمخض عن الحقيقة أو وضوح الرؤية..
المقالة الأولى وقعتها السيدة شانتال دولسلول الأستاذة في إحدى الجامعات الفرنسية. وهي تقدم نفسها كمسيحية مؤمنة بالدين، وهذا شيء نادر لا يتجرأ على التصريح به إلا القليلون لأن معظم المثقفين يقفون خارج المسيحية بالمعنى الإيماني أو التقليدي للكلمة. وهذه حالة معاكسة لحالة المثقفين العرب بالطبع حيث لا يتجرأ أحد على نقد الدين أو القول بأنه يتكلم من موقع فلسفي يقف خارجه. وبالتالي فلا يمكن المقارنة بين الحالتين.
تقول الباحثة المذكورة بأنها تعاني كثيراً عندما ترى الفرنسيين يستهزئون بالدين والمسيح على شاشات التلفزيون كل يوم تقريباً. بل ويقدمون أحياناً صورة كاريكاتورية مخجلة عن نبي الديانة المسيحية، ومع ذلك فلا يتحرك أحد للدفاع عنه. وحتى هي على الرغم من تألمها لذلك لا تفكر لحظة واحدة في أن تبصق على وجه هؤلاء الذين يهاجمون المسيحية فما بالك في تهديدهم بالقتل! فلماذا لا يفعل المسلمون مثلها؟
لماذا يثورون وبكل عنف ما إن يتعرض أحدهم بالنقد لتراثهم الديني؟ أليس هذا دليلاً على الاختلاف الجذري بين العقلية الأوروبية والعقلية الإسلامية أو العربية؟ هذه هي النتيجة التي تتوصل إليها الأستاذة الجامعية في نهاية المطاف. ولا يخطر على بالها لحظة واحدة أن تفسر اختلاف العقليات هذا عن طريق التفاوت التاريخي بين المجتمعات الأوروبية والمجتمعات العربية أو الإسلامية عموماً.
لا يخطر على بالها أن تفكر على النحو التالي: المجتمعات الأوروبية هضمت عدة ثورات معرفية وتوصلت إلى مستوى معيشة مرتفع وبالتالي تستطيع أن تأخذ مسافة نقدية معينة عن عقائدها الأكثر حميمية وقداسة. أما المجتمعات الإسلامية فلم تهضم حتى الآن ثورة معرفية أو سياسية واحدة، وبالتالي فهي لا تزال في بداية الطريق نحو الحضارة والتقدم والفكر العقلاني.
المسألة إذن ليست مسألة اختلاف جوهري أو أزلي بين العقلية الأوروبية والعقلية العربية، وإنما مسألة تفاوت تاريخي ونضج حضاري أو عدم نضج. ولا ينبغي أن نستخلص من ذلك أحكاماً عنصرية أو جوهرانية أزلية كأن نقول مثلاً: الأوروبي متفوق بطبيعته لأنه من عنصر أعلى ينتمي إلى دين حضاري هو المسيحية، والعربي متخلف بطبيعته ولن يتقدم أبداً ولن يشكل حضارة لأنه من عنصر أدنى وينتمي إلى دين متخلف هو الإسلام! هذا شيء لا يليق بأستاذة جامعة..
لحسن الحظ فإن الأستاذ باتريك برادو، عضو المركز القومي للبحوث العلمية الفرنسية، يتخذ موقفاً مضاداً لها، وفي نفس الصفحة! وقد كتب مقالة مرنة، متوازنة، تستحق الإعجاب. بالطبع فإنه يدين تهديد الأصوليين للفيلسوف ريديكير بالقتل ويعتبر ذلك غير مقبول على الإطلاق. فالرجل له الحق في أن يعبر عن أفكاره حتى ولو كانت خاطئة.
ولكنه يفكك أطروحاته الواحدة بعد الأخرى عن طريق إقامة مقارنة عادلة بين النصوص الإسلامية والنصوص اليهودية. صحيح أن الإنجيل خالٍ تقريباً من عبارات العنف، ولكن ماذا عن التوراة، كتاب اليهود والمسيحيين على حد سواء؟ انه مليء بآيات العنف والاستئصال والتهديد والوعد والوعيد. انظر بشكل خاص مقاطع متفرقة وعديدة من كتاب الأحبار، أو تثنية الاشتراع أو سواهما.
فالمجازر مباحة هنا شرعاً، ومع ذلك فلا أحد يقول بأن اليهودية هي في جوهرها دين عنف. ثم يضيف الباحث الفرنسي قائلاً: أما القرآن الكريم فلا يخلو إطلاقاً من آيات الرحمة والتسامح والعفو والمغفرة على عكس ما يتوهم ريديكير ومعظم الغربيين. يكفي أن نقرأ سورة آل عمران لكي نتأكد من ذلك.
إنها سورة منفتحة على كل الأديان السابقة وبخاصة على اليهود والمسيحيين وأنبيائهم. تقول الآية الكريمة: «قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون» (آل عمران 84).
وبالتالي فياليت الأديان الأخرى تنفتح على الإسلام مثلما أن الإسلام الحنيف ينفتح عليها ويحترم أنبياءها! يا ليتهم يعرفون قيمة الإسلام وعظمته ولا يسقطون عليه تصرفات أتباعه المتطرفين الطائشين: أقصد أولئك الذين ينسبون أنفسهم إليه زوراً وبهتاناً.
كاتب سوري
باريس