منذ بداية الحرب على العراق في مارس 2003 لقي 118 صحافيا ومساعد صحافي حتفهم أثناء أداء مهمتهم في تغطية الحرب وتقديم وقائعها للرأي العام، وهذا يعني أن مهنة الصحافة التي ينعتها الجميع بمهنة المتاعب تحولت إلى مهنة الموت وأصبحت من أخطر المهن على الإطلاق في العالم. إن عدد ضحايا البحث عن الحقيقة في العراق فاق بكثير ضحايا حرب فيتنام من الصحافيين (63) والحرب العالمية الثانية (69).

فأول ضحية في الحروب هي الحقيقة والخاسر الكبير هم الأشخاص الذين يبحثون عن الحقيقة ويجازفون بحياتهم من أجل الوصول إليها وتقديمها للجمهور. في الأسبوع الماضي تعرضت قناة «الشعبية» العراقية لمجزرة راح ضحيتها 9 أشخاص. ومن قبل ذلك تعرضت قناة الجزيرة للقصف في أفغانستان وفي بغداد ومثلها قناة أبوظبي التي استهدفت من قبل الذين لا يريدون للحقيقة أن تكشف وتقدم للرأي العام.

قبل أسابيع اغتيلت الصحافية الروسية أنا بوليتكوفسكايا التي كانت من خلال كتابتها في جريدة «نوفايا غازيتا» تعارض بوتين وحربه على الشيشان. وفي مارس 2003 اغتيل الصحافي البريطاني «تيري لويد» والمصور الفرنسي «دانيال دومستيي» برصاص الجيش الأميركي كما اغتيل الصحافي طارق أيوب وما زال تيسير علوني رهن الإقامة الجبرية في اسبانيا بعد سجنه في محاكمة اعتبرها الجميع وصمة عار على جبهة القضاء الإسباني..

تعاني حرية الصحافة هذه الأيام من مضايقات واعتداءات وإجراءات تعسفية في معظم أنحاء العالم، وحتى في الدول المسماة بالديمقراطية والمتقدمة والعريقة في ممارسة الحريات الفردية وحقوق الإنسان نلاحظ اعتداء مخيفا على مبدأ أساسي من مبادئ الديمقراطية والحرية.

ففي العام الماضي وحسب تقارير «مراسلون بلا حدود» تعرض أكثر من 1600 صحافي في العالم لمضايقات واعتداءات وتجاوزات من قبل أجهزة الأمن والقمع وغيرها من القوى التي تريد تكميم وسائل الإعلام ومنعها من تقديم الحقيقة وكشف المستور. كما تشير الإحصاءات كذلك أن هناك أكثر من 1000 صحافي اعتقلوا وسُجنوا خلال عام 2005.

حرية الصحافة غير متوفرة وغير مضمونة في أكثر من نصف بلدان العالم. كما تراجعت حرية الصحافة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 تراجعا خطيرا وخاصة في الولايات المتحدة الأميركية التي اخترقت الكثير من المبادئ التي كانت تعتبرها مقدسات وثوابت غير قابلة للاختراق والمساومة،

وباسم الحرب على الإرهاب شنّت أميركا حربا عشواء على كل ما هو عربي وإسلامي بحق وغير حق وضربت عرض الحائط الحريات الفردية وحرية التعبير والرأي والفكر. يوما بعد يوم يكتشف العالم اغتيال حرية الصحافة على الهواء وعلى المباشر في العدوان الأميركي البريطاني على العراق.

فهذا «بيتر أرنت» يفصل من عمله في شبكة أن.بي.سي الأميركية ويتهم بالخيانة العظمى لا لشيء لأنه وافق على المشاركة في مقابلة مع التلفزيون العراقي. وتأتيك أخبار عن احتجاج السفير الأميركي في لبنان على تغطية تلفزيون المنار للعدوان. كما نقرأ في الأخبار الاعتداء على موقع الجزيرة في شبكة الانترنت وتحطيمه والقضاء عليه نهائيا.

كما ضربت قوات الحلفاء عدة مرات التلفزيون العراقي. فالتعديل الأول في الدستور الأميركي، الذي يتغنى به الأميركان ويقدّسونه ويمجدونه، يحمي مهنة الصحافة ويحمي الصحافي من أي تدخل أو اعتداء أو ابتزاز أو استغلال من أي طرف حتى لو كان هذا الطرف الحكومة الأميركية أو الرئيس الأميركي.

لكن ما نلاحظه هذه الأيام عن الممارسة الإعلامية في نقل الأخبار عما يجري في العراق وفي العديد من بؤر التوتر في العالم هو تداخل خيوط الاحترافية والمهنية مع الدعاية والتضليل والتعتيم وتطبيق مبدأ الغاية تبرر الوسيلة وأن المبادئ والقيم والأخلاق التي تسيّر وتدير الممارسة الإعلامية أصبحت مهجورة وغير مطبقة في معظم الأوقات. بل أكثر من هذا نلاحظ اغتيالات وتصفيات جسدية لإسكات الأقلام والأصوات التي تكشف الحقائق وتزعج الساسة وتجار الحروب.

في زمن السلم أو الحرب يبقى الجمهور هو المفصل المحوري في عملية الاتصال والجمهور له الحق وفق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في الاتصال وفي الحصول على الأخبار والمعلومات بكل صدق وموضوعية والتزام لأن ما يحصل عليه الفرد في المجتمع من أخبار ومعلومات هو الذي يحدد إطاره المرجعي وصورته الذهنية

وبذلك سلوكه وتصرفاته فيما بعد فالموضوع هنا إذن استراتيجي مهم والتلاعب بمهنة الصحافة والتلاعب بالمعلومة قد تكون له انعكاسات جد وخيمة على السلوك المسؤول والرشيد في المجتمع. فرهانات الإعلام في زمن الحرب تكون أهم بكثير من العمليات العسكرية في مسرح المعارك ورهانات ومسؤوليات الإعلام في زمن الحرب تكون أكثر بكثير من رهاناته في زمن السلم. الأمر إذن يتعلق هنا بالأفكار والعقول والمواقف والعواطف.

فدعاية جوبلز أدّت بالشعب الألماني بكامله بتبني حرب كانت كارثة ليس على الشعب الألماني فحسب بل على العالم برمته. فموقف وسائل الإعلام أنذاك أدى إلى حرب عالمية بقيت انعكاساتها وتداعياتها قائمة حتى اليوم. ونفس الشيء يقال عن حروب استغلالية واستيطانية وعدوانية عانت منها البشرية الكثير منذ عصور خلت.

وفي كل هذا يبقى الضمير المهني يؤنّب كل إعلامي في العالم كان باستطاعته أن يفعل شيئا لتجنب الحرب لكن بدلا من ذلك نجده ساكتا أو متواطئا مع قوى همّها الوحيد هو المصالح والمكاسب المادية حتى ولو كانت على حساب عشرات الآلاف من الأطفال الأبرياء والمواطنين العزل.

الالتزام باحترام المهنة والدفاع عنها وحمايتها من كل من يحاول المتاجرة بها أو استعمالها لأغراض غير المصلحة العامة وأغراض المجتمع هي التحديات الكبرى التي تواجه الصحافيين في جميع أنحاء العالم. فالإعلام بإمكانه أن يكون وسيلة سلم وحوار وتقارب بين الشعوب وبإمكانه أن يكون وسيلة دمار ودعاية وتضليل وتشويه يهدّم ويخرّب أكثر مما يبني ويخدم الإنسانية والبشرية جمعاء.

ومع الأسف الشديد ما زالت شعوب العالم في بداية القرن الحادي والعشرين تعاني من التضليل والتعتيم والتشويه ومن الصور النمطية والدعاية والحرب النفسية، وأصبح الجمهور يتعرض لرسائل إعلامية ومنتجات ثقافية تجعل من المقاوم والمدافع عن شرفه والمظلوم ظالما وإرهابيا وتجعل من المستعمر (بكسر الميم) الغاشم، المسالم والديمقراطي والمحب للأمن والسلام في العالم مظلوما.

وهكذا تدهورت القيم والمبادئ وانحطت الأخلاق وأصبح الجمهور يشاهد صور الأطفال الأبرياء في العديد من دول العالم وهم يتعرضون للقتل والبطش والاستغلال والضمير الإنساني غائب أو مغيّب بفضل الماكينات الإعلامية التي تحولت إلى أبواق ووسائل دعاية تبرّر التصرفات والسلوكيات الوحشية والهمجية لتجار الحروب والأسلحة.

حرية الصحافة تغتال هذه الأيام في العدوان الأميركي البريطاني على العراق وفي مناطق وبؤر التوتر والنزاعات المختلفة في العالم وهذا الأخير يتفرج وضمير البشرية ساكت، حيث ان العلاقات السياسية والاقتصادية الدولية ومختلف المنظمات والمؤسسات في العالم قد أفلست أخلاقيا وأصبح يديرها ويقودها منطق المال والقوة وتجار الحروب والأسلحة وخبراء الدعاية والحرب النفسية.

تحولت مهنة الصحافة في زمن الحروب والأزمات إلى مهنة الموت حيث أصبحت ظروف العمل ومهمة البحث عن الحقيقة محفوفة بالمخاطر والصعوبات التي تكون نتيجتها في آخر المطاف الاغتيالات والتصفيات الجسدية. فعشرات الصحافيين يموتون سنويا برصاص الإرهاب والأنظمة الدكتاتورية والقمعية والمافيا السياسية والمالية في دول الشمال أو الجنوب

بحيث اشتهرت دول كثيرة بصعوبة ممارسة الإعلام فيها ككولومبيا وبوليفيا والبرازيل والمكسيك والجزائر والسودان وباكستان وإيران وأفغانستان والشيشان والصومال والعراق والقائمة طويلة. فحسب تقارير «مراسلون بلا حدود» لقي 475 صحافيا حتفهم في السنوات العشر الأخيرة، وأن نصف دول العالم لا تحترم حرية الصحافة، أضف إلى ذلك أن في العديد من دول العالم لا توجد قوانين تحمي المهنة و الصحافيين من جبروت وسلطة المال والسياسة والمافيا..

فتدهور ظروف عمل الصحافي يعني تدهور الحقيقة وتضليل الرأي العام وهذا على حساب حرية الصحافة وحرية الفكر والرأي وهذا يعني أن العالم يتجه يوما بعد يوم إلى التضليل والتعتيم والتشويه والصور النمطية والحرب النفسية والدعاية الأمر الذي يوُلد المزيد من الحقد والكراهية وسوء التفاهم بين الشعوب، وهذا يعني المزيد من النزاعات والحروب والأزمات.

كلية الاتصال

جامعة الشارقة