«مسلم علماني»: هذا هو النموذج المثالي الذي تريده الطبقة السياسية في أوروبا للفرد «المسلم» الذي يعيش في مجتمع أوروبي. التعبير يناقض نفسه بنفسه. فعبارة «علماني» تلغي عبارة «مسلم».. والعكس صحيح. فاما أن تكون مسلماً أو تكون غير مسلم. في القرآن الكريم ينقسم الناس على إطلاقهم وفي كل زمان وفي كل مكان إلى ثلاثة أقسام: مسلم ومشرك ومنافق علماً بأن المنافقين هم الذين يتظاهرون بالإسلام بينما يضمرون الشرك. وإذن فإن من المستحيل أن يجتمع الإسلام والشرك في قلب شخص واحد.
وهكذا فإن المعنى المراد من وراء عبارة «مسلم علماني»- وهو معنى خفي ـ هو أن يتخلى مسلم عن عقيدته الإسلامية مع احتفاظه بالطابع الشكلي للإسلام.الحملة الأوروبية على الحجاب ليست إذن القضية الحقيقية. فهي حملة على الإسلام ليست فقط كعقيدة دينية وإنما أيضاً كأسلوب حياة. فغداً سوف تتجه الحملة إلى حظر إقامة الصلاة في مكان عام أو المساجد وإلغاء الحج إلى بيت الله.
الحرب على الحجاب بدأت في فرنسا.. ثم انتقلت إلى بريطانيا باسم حملة على النقاب بينما يتفاعل جدل في ألمانيا. وإذا أضفنا إلى ذلك ما يثار في الدنمارك من كراهية إعلامية ضد رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم فلابد أن تستنبط أن الإساءة الانتقادية التي وجهها بابا الفاتيكان ضد الإسلام كدين ليست حدثاً معزولاً.
وقبل هذه الإساءة الانتقادية سبق أن دعا البابا إلى تضمين دستور الاتحاد الأوروبي إشارة واضحة تفيد بأن المسيحية هي الديانة المعتمدة لدول الاتحاد. والشيء بالشيء يذكر، فالبابا بنيدكت لا يحرص على إخفاء مساندته لمعسكر الرافضين لانضمام تركيا المسلمة إلى الاتحاد الأوروبي.
ولكن ما سر هذه الحملة المتنامية؟
للإجابة على هذا التساؤل ينبغي أن نستحضر الطابع الهستيري للحملة لنستنتج دون مبالغة أنها تنطلق من شعور دفين وحاد بالخوف، ليس الخوف «من» أجيال المسلمين المهاجرين في البلدان الأوروبية، وإنما الخوف «على» أجيال الشباب المسيحيين الأوروبيين، ومبعث هذا الخوف أن الإسلام آخذ في الانتشار بين هذه الفئات بإيقاع متسارع وفقاً لما تفيد به معاهد البحث الأوروبية. وهذه ظاهرة تتنامى بتواتر سلمي لا علاقة له بما يثار عن «الجماعات الإرهابية».
من ناحية أخرى فإن المجتمعات الأوروبية المسيحية نفسها فشلت لمدى عقود متصلة في استيعاب الأجيال المتعاقبة من شباب المسلمين المهاجرين. فقد أصبح هؤلاء الشباب يرون في انتمائهم للإسلام هوية مميزة عبر العقود الطويلة استطاعت المجتمعات الغربية في أوروبا وأميركا الشمالية أن تستوعب الأجيال المتعاقبة المنتمية إلى أديان غير الإسلام،
لكن يبدو أنها لا تفطن إلى أن الإسلام شيء مختلف تماماً. فهو ليس مجرد طقوس للعبادة الفردية أو الجماعية وإنما هو منظومة قيم وأحكام تنتظم حياة الفرد من المهد إلى اللحد ـ وإلى ما بعد اللحد. ولذا فإن افتعال حملات غربية على أشياء رمزية ذات دلالة كالحجاب لن تزيد مسلمي الغرب سوى تمسك أشد بقيم وأحكام تعتبر حياة الفرد بدونها لا معنى لها.