من المتوقع ان يجري مساء اليوم في مكة المكرمة، التوقيع على وثيقة «تحريم سفك الدم العراقي» يشارك في اللقاء علماء تم اختيارهم من المراجع الدينية العراقية، إلى جانب عدد كبير من رجال السياسة. وذكر ان الوثيقة مكونة من عشر نقاط، تغطي كل عناصر الفتنة؛ المطلوب نبذها والابتعاد عنها. وقد حظت بمباركة وتأييد آية الله علي السيستاني وغيره من المرجعيات. وكانت لجنة تحضيرية من علماء السنة والشيعة قد قامت بصياغتها؛ تحت رعاية «مجمع الفقه الإسلامي الدولي»، التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي.
موافقة وحضور الأطراف العراقية الرئيسية، مؤشر إيجابي. والموضوع من أكثر واخطر الهموم التي تشغل العراقيين اليوم، فالنزف الدموي المتواصل والمتفاقم يكاد يشكل النهر الثالث في بلاد الرافدين. بل يكاد يؤدي إلى الانهيار الكامل للأوضاع ويغرق البلد في اقتتال أهلي انتحاري؛ لن يخرج منه منتصراً.
الأرقام التي حملها تقرير ميداني، مع جامعة هوبكنز، معدل 500 قتيل يوميا، منذ الاحتلال عام 2003؛ يعطي صورة مروعة، عن حجم المحنة المأساة؛ المتحكمة بالعراق والمهددة لمصيره، كبلد وكشعب من هنا أهمية التوقيع اليوم على وثيقة التحريم، التي تعطيها مباركة المرجعيات والفعاليات الزخم اللازم؛ لوضعها موضع التنفيذ.
أو هكذا يفترض؛ نظرا ما لهذه الجهات من هيبة وما لفتاويها من مفعول، لدى أوساطها وقواعدها. فوقف القتل على الهوية الطائفية والذي اتخذ منحى «مرعبا» في الآونة الأخيرة، ثمة حاجة ماسة لتحقيقه وبأسرع ما يمكن، قبل انفلاته وخروجه عن أية سيطرة، والوثيقة تأتي لهذا الغرض.
هل تقوى؟ ثم هل تكفي؟
سؤالان تفرضهما السوابق والمعطيات. فلكي تؤدي هذه الوثيقة وظيفتها في وقف حمام الدم المذهبي، لا بد من توفر شرط الالتزام بمقتضياتها وبنودها العشرة. الموافقة المسبقة والتواقيع والمشاركة في اللقاء، تشهد بأن الاطراف عازمة على الالتزام، لكن السوابق تحمل ـ على الأقل ـ على التحفظ، فمثلا ما تم الاتفاق حوله في مؤتمر المصالحة؛ لم يحظ بالتنفيذ. ثم ماذا عن الجهات والجماعات المسلحة غير المشاركة في التوقيع؟ هل تنضبط وتلتزم بمنطوق الوثيقة؟
وإذا لا، ما هي الاستعدادات لعزلها وعدم تركها تقوم بما يكفل التخريب على الاتفاق ونسفه؟ بالإضافة إلى ذلك هناك تخوف آخر فهذه الوثيقة محصورة بالجانب الطائفي ـ المذهبي؛ كما وصفها الناطق باسم المؤتمر الإسلامي. الغاية منها إخماد نار العنف، الدائر على هذه الأرضية . وبالتالي فهي «ليست مبادرة للمصالحة»، ولا هي مشروع توافق سياسي. كما أن اللقاء لن يكون بمثابة «ندوة» أو «نقاش» أو «مفاوضات» فلا شيء من ذلك كله.
لكن ليس خافيا ان الصراع السياسي العراقي كان مفتاح العنف؛الذي أخذ أبعاده الطائفية والمذهبية ووصل إلى حافة الهاوية التي يقف عليها اليوم. فهل يؤدي «تحريم سفك» الدم المذهبي إلى وضع العراق على طريق رأب الصدع وبالتالي تحقيق التوافق السياسي؟
سؤال مفتوح ومخاوفه مشروعة.
والجواب في أيدي العراقيين أنفسهم. توقيع «وثيقة مكة»؛ قد لا يكون كافيا بحد ذاته. لكن بدون شك هو خطوة أولى واساسية. فوق الجنون الدموي، إذا حصل وتأفل حصوله، بداية ضرورية؛ ليس فقط للحيلولة دون خراب الهيكل، بل أيضا لعقلنة الصراع السياسي ورده إلى جادة العمل السوي الذي يحتاجه العراق.