عندما قال الرئيس الأميركي جورج وولكر بوش «من ليس معي فهو ضدّي» لم يكن ينطق عن هوى. فقد كان كلامه اختزالا لماض وحاضر استعماري قادته بامتياز دول الكتلة الغربية أو ما يمكن تصنيفها في القانون الدستوري بدول الليبرالية الديمقراطية.
بوش، لم يكن يقصد في ذاك الحين (بُعيد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001) الجانب الظرفي في القصة، بل كان كلامه حلقة ضمن سلسلة الهيمنة والسطو الاستعماري الذي يرتكز على فلسفة الاستعلاء واستعباد البشر.
اليوم، وبعد أن سطّّرت قوى الليبرالية الغربية معالم المشهد العالمي ومكوناته، نشهدالاستفراد بالرأي وقد ازداد، تقوم به واشنطن وهي لا تخاف لومة لائم لأنها الأقوى. فهي لا تتوانى اليوم، وقد آل حكم العالم اليها في أن تقدّم مشاريع القرارات الى مجلس الأمن وهيتعلم علم اليقين أن المشروع سيصبح قرارا في وقت قياسي وبعد نقاشات لا تشبه الحوار الديمقراطي والمحاجة بالرأي في شيء.
من أفغانستان الى العراق مرورا بفلسطين ولبنان وكوريا، يتصرّف الرئيس الأميركي في شؤون العالم دون الاستناد الى مؤسسة أممية أو قمّة دولية تكون فيها سيادة الدول فيصلا، والادلاء بصوت واحد عن كل دولة مستقلة علامة من علامات الديمقراطية في العالم.
قد يحلو للرئيس الأميركي هذا الوضع وقد يبدو له أنه مناسب لبلاده حين يعتمد ديبلوماسيوه سياسة التهديد والوعيد ضد دول قد تقف ضد قرارات البيت الأبيض في قضية بأفغانستان أو بكوريا الشمالية أو بالسودان. لكن هذا الأمر يبدو كذلك الى حين لأن الولايات المتحدة نجدها قد دخلت الآن مربّعا محظورا ذاك الذي يمسّ الفرد في حريته وفي طوق القانون الذي يحميه.
اذ لا تمر دقيقة واحدة لا تكون فيها واشنطن هي الفاعل الأكبر إن لم يكن الاول، في كمّ الأخبار التي تصلنا وتحرّك العالم.قد يظنّّ المحافظون الجدد أنهم يخلقون الحدث وأنهم يعرفون كيف يديرون العالم وكيف يغيّّرون معالمه بمجرد تداخل في الأوراق، لكن الحقيقة هي غير ذلك تماما.
فقد ازدادت الأخطار المحدقة بالعالم وانعدم الشعور العام والخاص بالأمن والسلم الدوليين كما انعدم معه الشعور بالحق الشخصي والفردي بمجرّد أن يعرب الرئيس الأميركي عن غبطته بل وانتصاره باستصدار قانون داخل بلاده، يسلب الفرد حريته ويفقد المتهم حقوقه الأساسية، وذلك بمناسبة امضاء بوش على قانون يبيح استعمال أساليب قاسية عند استجواب المتهمين.
نعم هذه هي العقلية المتوحشة سليلة الليبرالية المتوحشة التي بشّر بها المحافظون الجدد في الولايات المتحدة الأميركية وأصبحت سيفا مسلّّطا على كل شعوب العالم وفق مقولة بوش آنفة الذكر : من ليس معي فهو ضدّي.العالم اليوم ليس أفضل من عالم الأمس، لأن عالم الأفكار والأفكار المضادة وعالم الجدل بالفكرة وقع اغتياله بعناوين مغلوطة.
قد يكون أصحاب هذه الأفكار و «الايديولوجيا» الجديدة سعداء الآن والقتل والموت يتربّصان بطالبي الحرية لكن هذا الأمر لا يمكن ان يطول في الزمن لأن السيل بلغ الزّبى ولم يعد يستقيم حال الانسان في هذا العالم وهو ينام ويصحو على المهاترات والهيمنة والكذب وسلب الحقوق.