سبق أن شهدت المملكة اتفاقيتين ناجحتين في الطائف، الأولى بين وفد الاتحاد السوفياتي المفاوض حول أفغانستان، وآخر للمجاهدين، وقد أنهت تلك الاتفاقية الحرب بين الطرفين والتي بموجبها تم جلاء القوات السوفياتية.
الأخرى اتفاق الطائف الذي كان، ولا يزال، المرجعية الأساسية في إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية، وبالرغم من الجدل القائم حول تلك الاتفاقية، إلا أنها استطاعت الصمود، ويعود النجاح للبنانيين أنفسهم والذين قدروا مواقف المملكة، وبعدها عن الصراع الطائفي، أو من تسبب في تأجيج الحرب ونتائجها المدمرة، فكانت هي بيت الأمان لكل اللبنانيين.
الثالثة كان اجتماعاً تاريخياً في الحرم المكي الشريف بين الفصائل الأفغانية المتحاربة، وبرعاية من المرحوم الملك خالد، والمرحوم خادم الحرمين الشريفين الملك فهد، الذي كان ولياً للعهد آنذاك، وقد وقع كل أعضاء الوفد على تلك الوثيقة، لكن المؤلم، أن قيادات تلك الفصائل لم تلتزم بها، رغم قدسية المكان والتعهد من قبلهم باعتبارها وسيلة الإنقاذ..
بعد غد، ويوم الجمعة القادم يتم إطلاق وثيقة مكة المكرمة لوقف الاقتتال بين العراقيين من كل الطوائف الإسلامية، سنة وشيعة، وهي امتحان جديد، أي أن العراق الذي يمر بأقسى مراحله التاريخية، والنازف دماً، ودماراً لممتلكاته وشعبه، ليس أمامه إلا المصالحة .
والاتفاق على تغيير مسار القتل على الهوية، والمذهب، بأن يسود شعار المصالحة وفق قواعد ملزمة للجميع لأن من واجه الانقلابات والدكتاتوريات، ثم الاحتلال الذي فجر مخزون الحقد اللامبرر بين الشعب الواحد، لابد أن يخرج من هذه الدوامة بحل لا ترسمه القوى الدولية، بل يتم تحريره والاتفاق عليه من قبل أصحاب الأرض، والنفوذ على الوطن.
وبصرف النظر عن المتفائل، والمتشائم، واعتبار الاجتماع مجرد (بروتوكول) ليس بمقدوره وقف العنف، إلا أنه الوسيلة التي تعالج أمراضاً بدأت تنتشر على أرض العراق وتهدده بالتقسيم ليكون الوريث الأسوأ نمو التطرف الذي لن يوفر الأمن لأي جزء من الشمال والوسط والجنوب، إذا ما تحول العراق إلى بؤر صراع تغذيها قوى إقليمية وعالمية..
وثيقة مكة صناعة بشرية، وليست قانوناً مقدساً، وإنما هي عقد مصالحة تم بأكرم أرض لأرض أخرى شهدت صناعة بدايات الحضارة البشرية، وإقليم وعاصمة لحضارة إسلامية عربية عايشت عباقرة الفقه والعلوم، والتسامح الديني والفكري، ولعل الذين صنعوا ذلك التاريخ الموغل في القدم، نتمنى أن يورثوه لأحفادهم الذين تقع عليهم مسؤولية إعادة العراق موحداً للطوائف، والقوميات، ومختلف الشرائح الأخرى، وهي عودة تحتاج إلى التضحيات ودفن مرارة ما يجري، وما جرى سابقاً، لأن فتح الجروح لابد أن يعيد نزيف الدم، والعراق يحتاج إلى القادة الحكماء الذين يعيدون صياغة تاريخ وطنهم على أسس تستطيع البقاء، لا العكس والنقيض.
أما أن تصبح هذه الوثيقة مجرد احتفال صغير لهدف كبير غير متحقق، فإن اللوم يلحق بجميع القيادات العراقية، والتي بيدها أن تخلق الصلح وتحافظ عليه، أو العودة إلى حرب طويلة يحترق بنيرانها الجميع..