أخيراً أقرت مؤسسة جائزة نوبل بحق الفقراء في التكريم والحياة، ومنحت نصيرهم الأول عالم الاقتصاد ومؤسس أول بنك إقليمي للفقراء في بنجلاديش البروفيسور محمد يونس جائزة السلام للعام الحالي، والذي حول العمل من اجل الفقراء من مجرد لفتة كرم عارض وإيقونة تزين أعناق المرابين والرأسماليين وآكلي لحوم البشر، إلى فرض عين، بمنطق إنساني وديني وعلمي.

فلقد اكتشف يونس مع المجاعة التي ضربت بلاده عام 1975 ان الاقتصاد الذي يدرسه في الجامعة لن توفر نظرياته لقمة العيش الكريم التي تسد رمق ملايين الفقراء الذين يقفون على حافة الهلاك، وبدلا من استهلاك الوقت والعلم النظري في حديث لا جدوى منه، بدأ يونس رحلات معايشة واستكشاف للأوجه القبيحة للفقر الذي يفترس أرواح بني وطنه. ووجد ان توزيع أرغفة الخبز عليهم ليس هو الحل النهائي بل مجرد مسكن ومهدئ لآلام الفقر والجوع، وبدلاً من أن يمنح الفقير سمكة رأى أن يمنحه السنارة التي يصطاد بها يوميا قوته وتعينه على قتل الفقر نهائياً.

من هنا ولدت فكرة بنك القرية( جيرامين) برأسمال لم يزد على 27 دولاراً، قدمها يونس لامرأة فقيرة كانت تصنع مقاعد( البامبو) ويضيع عائد عملها بين جشع التجار والمرابين الذين يكدسون الملايين، من فائض قيمة عمل هذه ومثيلاتها. قدم يونس لها القرض بدون فائدة على أن تشارك هي معه بسداده من قيمة عملها، وتضيف مدخرات من أرباحها لمساعدة أخريات،

وخلال سنوات من العمل والبحث تأسس رسمياً بنك القرية، لإقراض الفقراء المال الذي يعينهم على بدء مشروع إنتاجي صغير، ويحولهم بالتالي من محتاجين للصدقات إلى مالكي أسهم في هذا البنك المعجزة الذي يقرض فقط أفقر الفقراء الذين لا يملكون أدنى ضمانات عقارية ، خلافاً للقواعد المصرفية الرأسمالية التي تمنح قروضا بمئات الملايين لرجال الأعمال أو من يتصف زورا بوصفهم، ولا تمنح قرضا ضئيلاً لمن يحتاجه ولا يملك الضمان.

خلال أكثر من عشر سنوات نجح بنك القرية في القضاء على فقر مليونين من سكان بنجلاديش، ونقلهم إلى مجال العمل الشريف والمساهمة في التنمية الحقيقية، وجعلهم يعتنقون مبادئ اقتصادية تعظم قيمة العمل، والتعاون ورفض الظلم، وتحريم الاستهلاك الترفي، أو استغلال جهد الآخرين، أو إهدار أدنى ثروة، منظورة أو غير منظورة، ويدخل فيها قيمة الوقت باعتباره ثروة في ذاته، وإعلاء قيمة الادخار، الذي جعل كل الذين استفادوا من قروض بنك القرية ملاكا ومساهمين في رأسماله.

وتجربة يونس لها إرهاصات في عالمنا العربي والإسلامي ففي مصر ابتدع الراحل احمد حسين مؤسس حزب مصر الفتاة والحزب الاشتراكي فكرة إنشاء مصنع للطرابيش بجنيه واحد يتبرع به كل مصري، ولم يكتب لها البقاء لمحدودية مجالها وانقراض الطربوش أصلاً، كما تبعه العامل سيد جلال نقيب الحمالين وأقام مستشفى من تبرعات ناخبيه في باب الشعرية بوسط القاهرة. وفي تراثنا الإسلامي الكثير مما لو طبق لامكن القضاء على الفقر نهائيا، لكن رياح العولمة الرأسمالية العاتية تعصف بكل هذه الممكنات.

في مصر مثلاً نجد ان المصارف والبنوك خسرت أكثر من 120 مليار دولار قيمة قروض «هالكة» ومعدومة منحت بضمانات وهمية لرجال أعمال مزيفين، يأتيهم طعام يومهم على طائرات خاصة من أوروبا، ويمارسون مظاهر بذخ لا نظير لها في أغنى الدول، في حين يعيش نحو25 مليون مصري تحت خط الفقر( دولار واحد يوميا).

وواضح ان مؤسسة نوبل قرأت الإحصاءات العالمية، وتيقنت ان الفقر أصبح اخطر مشكلة تهدد الاستقرار والسلم الدوليين، وان محاربة الفقر وإزالة أسبابه، هو عمل من صميم إقرار السلم الدولي، ففي عالمنا المعاصر يعيش نصف سكانه فقراء( نحو 8 ,2 مليار فرد) ويقتات الواحد منهم يوميا على اقل من دولار، في حين يزيد ثمن فنجان قهوة احد سكان العالم الثرى على دولارين!. ومن الحقائق المسكوت عنها، ان الفقر ليس قدرا حتميا يلحق بنوعية خاصة من البشر دون غيرهم، كما ان الثراء ليس منحة وميزة لآخرين، بل ان الفقر والثراء وجهان لعملة واحدة منذ بداية الخلق وحتى يوم البعث والحساب.

فالفقر يوجد حيث يتعاظم الثراء، وتتزايد ثروات دول وأفراد من حصيلة عرق وجهد آخرين، وبسبب خلل مؤسسي وهيكلي في تدوير اقتصاديات العالم، يشار إليه على انه سوء في توزيع الدخل القومي، والدولي. وتوضح لنا خريطة الغنى والفقر في العالم ان 24% من سكان أوروبا الشرقية انضموا إلى الفقراء بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، التي كانت تتبنى سياسة تحرص على عدالة توزيع الثروات، وتحقيق الممكن من قيمة المساواة لكل العاملين ( لكل حسب عمله).

كما ان متوسط دخل الفرد في أغنى 20 دولة يعادل 37 مرة نظيره في أفقر 20 دولة. والأفقر والأغنى هنا مرتبطان بما يتعارف على انه عالم متقدم وآخر متخلف أو نام بلغة مهذبة، لكن في الحقيقة فإن الأغنى هي دول صناعية، والأفقر دول تمتلك فقط الموارد والمواد الخام اللازمة للصناعة باستثناء النفط الذي توفر عوائده الثراء لدوله، رغم ان هناك مجالات تختلقها تلك الدول الصناعية لاستنزاف ثروات الدول النفطية، ومنعها من الاقتراب لمجال التصنيع وامتلاك أدوات التقدم الحقيقي.