اكتسب دور المنظمات الدولية السياسي والثقافي والإنساني حيوية وأهمية بشكل ملحوظ منذ بداية التسعينات وتحديداً منذ بروز نظام القطب الأحادي بعد انهيار الكتلة الشرقية بقيادة الاتحاد السوفييتي. وهذا الدور المتصاعد جاء ليخفف من حدة التدخلات السياسية والعسكرية للدول العظمى وتحديداً الجبار الأعظم المتمثل بقيادة الولايات المتحدة الأميركية في الشؤون الدولية، وللمساهمة في حل النزاعات الإقليمية.

هذا الدور الهام والمتصاعد للمنظمات الدولية يحتاج إلى مزيد من الوقت والجهد المتواصل والمشاركة الفاعلة والفعالة والإرادة من قبل المنظمات ذاتها والدول الأعضاء فيها لتعزيزه وتقويته وفرض إرادته ورؤيته للتطورات الدولية والإقليمية على جميع الصعد. من هذا المنطلق وحرصاً على حماية تنامي دور المنظمات الدولية لا بد من مواجهة أية محاولة أو مناظرة أو رأي من قبل أي طرف إقليمي أو دولي لوقف عملية التطور والنمو التي يقوم عليها المسؤولون من داخل المنظمات الدولية وبشكل خاص دور الأمناء العامين ومن خارجها والمتمثل بدور رؤساء وقادة الدول الأعضاء في هذه المنظمات.

وعندما بدأ العدوان الإسرائيلي على لبنان في شهر يوليو الماضي سارعت الأمانة العامة للمنظمة بتأسيس وحدة عمليات لتقديم المساعدة والعون للشعبين اللبناني والفلسطيني، وهذه الوحدة لا تزال تمارس نشاطاتها الإنسانية وتلعب دوراً هاماً في الجانب الإنساني. أما في الجانب السياسي قام الأمين العام بزيارة لبنان وقابل المسؤولين اللبنانيين وناقش معهم أفضل الوسائل الناجعة لمساعدة الشعب اللبناني سياسياً ودبلوماسياً وإنسانياً.

كما أصدرت الأمانة العامة بيانات رسمية تدعم الموقف السياسي اللبناني تجاه العدوان الإسرائيلي والقرارات الدولية ذات الصلة والحوار الوطني اللبناني، إضافة إلى العديد من الاتصالات التي قام بها الأمين العام مع الدول الإسلامية وبعض الأطراف الدولية لتسهيل مهمة إرسال قوات إسلامية إلى لبنان ضمن قوات حفظ السلام الدولية اليونيفيل ورفع الحصار الجوي والبحري الذي فرضته إسرائيل. وتوج دور منظمة المؤتمر الإسلامي تجاه قضايا لبنان باستصدار قرار من قبل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة يندد بشدة العدوان الإسرائيلي على لبنان والممارسات غير الأخلاقية لقوات الاحتلال الإسرائيلية تجاه المدنيين اللبنانيين.

وفي اجتماعات وفود الدول الإسلامية التي عقدت على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر الماضي قام الأمين العام والوفد المرافق معه بتقريب وجهات النظر بين الدول الأعضاء تجاه العديد من القضايا الهامة مثل لبنان وفلسطين والسودان والعراق وغيرها من القضايا المتعلقة بالعالمين العربي والإسلامي.

وعندما فاجأ بابا الفاتيكان العالم الإسلامي بتصريحاته الشهيرة حول الدين الإسلامي ورسول الأمة الكريم ندد الأمين العام بهذه التصريحات وأجرى لقاءً مع الممثل الدائم للفاتيكان في الأمم المتحدة ، بناء على رغبة الأخير، الذي قدم من جهته توضيحات إيجابية لتصريحات البابا وأكداً على حقيقة موقف البابا والفاتيكان تجاه الدين الإسلامي والمسلمين.

عراقياً تقوم الأمانة العامة للمنظمة بدور هام في الآونة الأخيرة. فقد عقد يومي السبت والأحد 7 ، 8 من هذا الشهر في مقر مجمع الفقه الإسلامي الدولي في مدينة جدة لقاء تحضيري لإعداد وثيقة بشأن المصالحة في العراق بين الشيعة والسنّة، بمبادرة من منظمة المؤتمر الإسلامي، في هذا الاجتماع أكد الأمين العام للمنظمة أنه استشعاراً للمسؤولية أمام الله، وأمام الأمة الإسلامية وأمام التاريخ،

وحقناً لدماء المسلمين ومحاولة القضاء على الفتنة في العراق، ضرورة القيام بمبادرة تستهدف وضع حد للفتنة في العراق، والطلب إلى علماء الدين والمراجع الدينية العليا في العراق القيام بالفرض الواجب عليهم لوقف نزيف الدم في بلدهم بتأكيد حرمة الدم المسلم استناداً إلى أحكام القرآن الكريم والأحاديث الشريفة والمبادئ الإسلامية السمحة.

وبالفعل فقد تطلعت الأنظار في العراق وفي غيره من البلدان الإسلامية لهذا الدور من المنظمة، هذه الوثيقة المسماة بـ «وثيقة مكة المكرمة لحقن الدماء في العراق» تهدف إلى توجيه نداء إلى كل أفراد الشعب العراقي وتوضح موقف الإسلام الواضح من استباحة دماء المسلمين، وتدعو مسلمي العراق إلى الالتزام بمبادئ الدين الإسلامي الواضحة في هذا الشأن، وقد اتفق المجتمعون على إعلان هذه الوثيقة في مكة المكرمة خلال شهر رمضان المبارك،

في اجتماع يعقد الجمعة 28 رمضان 1427هـ الموافق 20 أكتوبر 2006 ويشارك فيه كبار علماء المسلمين ومرجعياتهم الدينية في العراق، وبمباركة من المرجعات الدينية العليا في العراق. وبناء على ذلك تمّت اتصالات عديدة مع كثير من الجهات العراقية، خصوصا الدينية منها، للتشاور معها بشأن القيام بمبادرة في هذا الصدد، باعتبار أن المنظمة هي الجامع الوحيد لشتات الأمة الإسلامية، والناطق باسمها، والمعبّر عن قضاياها.

كما تركز المبادرة على جانب النزاع الطائفي الدموي، لإخماد جمرته، باعتبار أن هذا النزاع، بما ينطوي عليه من خلفيات دينية، يكون عادة أكثر أنواع النزاعات دموية وعنفا. وعليه فإن الهدف الأساسي يقوم على نزع فتيل النزاع الطائفي الذي يُعاني منه العراق اليوم. وسيتم توزيع هذه «الوثيقة المكيّة» على أوسع نطاق ممكن في العراق،

وعن طريق مباركتها وتأييدها علنا من كل المرجعيات الدينية في الحرم المكي وفي العراق، وإذاعتها ونشرها في وسائط الإعلام على اختلاف أنواعها، وترويج ما تحتوي عليه من أحكام وإنذار بواسطة التعليقات الإذاعية والتلفزية أو الصحافية، واتخاذها مادة للبحث في الاجتماعات والندوات، وخطب الجمعة، وخطب المساجد، وإلى غير ذلك من وسائط النشر بما يجعلها تستقر في عقول كل الناس، ويكون مفعولها شاملا في كل أطياف الشعب العراقي.

باختصار يجب القول إن دور المنظمات الدولية أساسي وهام في المرحلة المقبلة. ومن هذا المنطلق لا بد من دعم هذه المنظمات من قبل جميع الدول الأعضاء لا سيما وأن هذه المنظمات تستطيع أن تلعب أدوراً مختلفة قد لا تستطيع دولاً منفردة القيام بها. ولا ننسى أن دور القائمين على هذه المنظمات هو دور محوري جامع ومفصلي في العديد من القضايا الهامة تتطلع إليه الشعوب والقادة معاً ليكون أكثر فعالية وتأثيراً في المحافل الإقليمية والدولية.

في الختام إن دور منظمة المؤتمر الإسلامي الذي برز مؤخراً كثقل سياسي وثقافي وإنساني إقليمياً ودولياً كان دائماً يشكل خليطاً من الطموح الشعبي للشعوب الإسلامية وضرورة مؤثرة وفاعلة للدول الإسلامية. لذلك ما نتمناه في المستقبل أن تبذل الدول الأعضاء المزيد من الجهود لتقوية دور المنظمة ومنح أمينها العام مزيداً من الدعم المتكامل للوصول بها إلى ما تستحقه كثاني أكبر تجمع دولي.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com