عندما أطلقت إدارة الرئيس بوش مقولة «الفوضى الخلاقة»، على لسان الوزيرة رايس، بخصوص الشرق الأوسط، بدا وكأنها كانت تحاول خلع هالة «واعدة» ـ هي في الحقيقة هالة واهمة ومزيفة ـ على سياستها في المنطقة، وحجب تخبطها ورطشها في العراق. لكن يبدو، أيضاً، انها كانت تراهن بصورة مبطنة، على تناقضات الساحات العربية الداخلية، بخاصة الملتهبة منها، واحتقاناتها المرشحة للانفجار وبالتالي إغراق الأوضاع في الفوضى المؤدية إلى التفتيت المطلوب.

فهذا الأخير كان من البداية، بعد 11/9، الهدف الاستراتيجي الذي رسمته واشنطن للمنطقة. بعض أركان الإدارة تحدث عن صراحة آنذاك ـ مثلاً بول وولفويتز ـ وهو هدف لم يتغير ولايزال المحرك الأساسي لسياستها الشرق أوسطية. الذي تغير، فقط الإدارة. تجربة الاحتلال في أفغانستان ثم العراق. فرضت التخلي عن الخيار العسكري المباشر والاستعاضة عنه بما تختزنه الصراعات المحلية من استعداد وقابلية لتمزيق نفسها بنفسها، على ان تكتفي واشنطن بالعمل على تأجيج الخلافات.

حتى اللحظة، كانت هذه المراهنة في محلها، إلى حد بعيد. الصراعات المتفاقمة في الساحات الفلسطينية والعراقية واللبنانية، لم تخيب ظن واشنطن. القوى المتناحرة والمتخاصمة وقعت في الفخ. ذهبت بعيداً في توسيع الهوة فيما بينها. منها من دخل وصار أسير، دوامة الاقتتال الدموي، ومنها من يقف على عتبة الاحتكام للسلاح. وغيرها، في أحسن حالاته، يعيش كابوس الخوف من مثل هذه النهاية.

المفجع، ان كل هذه الساحات تدرك، لاشك ـ وإذا كانت لا تدرك فالمصيبة تكون أعظم ـ بأن ما يدور فيها يخدم سياسة الوقيعة المرسومة لها، مع ذلك هي مندفعة في هذه الطريق. والأنكى أنها جميعها واقعة تحت احتلال ما، أميركي أو إسرائيلي. ومع ذلك هي تبدو وكأنها غير قادرة ـ أو ربما بعض قواها غير راغب؟ ـ على وقف تدهور وتردي أوضاعها. ناهيك بالقدرة على التوافق حول قواسم مشتركة، أو العمل على ملاقاة بعضها في منتصف الطريق، تحت راية تحييد التناقضات الداخلية الآن، لصالح علاقات ائتلافية مؤقتة. عرفتها كافة الشعوب التي عانت من العدوان والاحتلال الأجنبي وعملت على الخلاص منه.

في الساحة الفلسطينية، تكاد الأزمة بين «فتح» و«حماس» تبلغ، إن لم تكن قد بلغت الطريق المسدود، مع كل ما ينطوي عليه ذلك من خطر الوقوع في المحظور الكبير، كل طرف قذف الآخر بصليات حامية من الاتهامات وحمله مسؤولية فشل محاولات تشكيل حكومة وحدة وطنية، بدت انها المخرج الوحيد المتاح. لكن كل ما تردد، على وجاهته وجدارته ـ المبدئية أو العملية ـ بات غير قادر على حجب الحقائق الكافية وراء الخلاف: «حماس» تريد إقصاء «فتح» عن القرار الحكومي، للإنفراد به، و«فتح» تسعى لإلغاء حماس واسقاطها سياسياً، ناهيك بإبعادها عن جنة الحكم. هنا لب الأزمة وعقدة العقد. ومن هنا انفتاحها على كافة الاحتمالات.

في الساحة العراقية، الفيدرالية هي محور الخلاف المعلن. خلفها تكمن نوايا تقسيمية ومخاوف مشروعة منها. وفي أحسن الحالات تكمن رغبات الاستئثار بالحكم والسلطة، ومواقف رافضة لها. وفي هذه الدوامة غرق البلد سياسياً ونزف أمنياً، إلى حد يشارف معه على الانهيار. وهكذا الأمر، مع الاختلاف بالدرجة في حدة الصراع، في لبنان، في الظاهر الأزمة تدور حول الحكومة، كما حول سلاح حزب الله. لكن وراء البندين ـ المطروحين في غير أوانهما ولعله في نفس يعقوب ـ تتلطّى أغراض أخرى، داخلية وخارجية.

ثمة خيط مشترك يجمع بين هذه الملفات: في أحد طرفيه تكمن ثأرية تصفوية، سياسية، وفي طرفه الآخر تتحكم حسابات ومشاريع برانية. ومع أن هذه المشاريع ليست بنفس الخطورة. لكنها لا تلتقي ومصالح المنطقة. وطالما بقيت مثل هذه المعادلة قائمة، فإن «الفوضى الخلاقة» ـ بالأحرى الفوضى الهدامة والمدمرة ـ تلقى فيها الأرضية الخصبة لتنمو وتعطي ثمارها. وفي هذا لا تقل المسؤولية المحلية والإقليمية عن المسؤولية الأميركية، فيما ستؤول إليه الأمور جراء هذه السياسية المخربة.