يمكن القول من دون مبالغة ان ظاهرة الأحزاب القومية في السودان أصبحت في حالة عد تنازلي مفسحة المجال للمنظمات الجهوية العنصرية المسلحة. في الجنوب تتمثل الشريحة الحاكمة المحتكرة للسلطة في قبيلة واحدة: الدينكا، وفي دارفور تهيئ قبيلة الزغاوة نفسها لتسلم السلطة بالكامل من خلال تنظيم «حركة تحرير السودان». وهذا الأسبوع أبرم تحالف من قومية البجا وقبيلة الرشايدة اتفاق سلام مع الحكومة المركزية يتيح له الانفراد بحكم الإقليم الشرقي.

ولا يدري أحد الآن على وجه الدقة متى تجرى انتخابات عامة حتى يمكن تحديد الأوزان الحقيقية لكل من هذه التنظيمات، ولكن كيف وعلى أية حال يمكن الوثوق بنتائج عملية انتخابية تشارك فيها منظمات تحمل السلاح مع أحزاب سياسية عزلاء؟ خلال العصور الحزبية تحت ظل نظام ديمقراطي تعددي كانت الدوائر الانتخابية في الشرق مضمونة لطائفة الخمتية (آل الميرغني) التي تساند «الحزب الاتحادي الديمقراطي» بقدر ما كانت الدوائر في الغرب ـ خاصة دارفور ـ مضمونة لطائفة الأنصار (آل المهدي) التي تساند حزب الأمة.

الآن سيختلف الأمر، فقد دخلنا كما يبدو عهد تلاشي الأحزاب مع صعود المنظمات الجهوية المسلحة. وترافق مع ذلك ـ أو نتج عنه ـ فقدان الأحزاب صفتها القومية، فإذا أجريت انتخابات عامة اليوم فإن مرشح الاتحاد الديمقراطي في الشرق أو مرشح حزب الأمة في الغرب لن يستطيع الصمود امام مرشح «جبهة الشرق» أو «حركة تحرير السودان» أو «العدل والمساواة».

هذا الاستقطاب الجديد سوف يتعزز من خلال تطبيق مبدأ اقتسام الثروة بما ينعكس سلباً على قومية التخطيط الاقتصادي، فعندما يتحدث قادة «جبهة الشرق» عن منجم الذهب في الاقليم وكأنه ملك خالص لأهل الإقليم سوف يتحدث بنفس هذه اللغة المحلية الذاتية اهل اقليم كردفان عن ثروة الصمغ وأهل إقليم الجزيرة عن قطن مشروع الجزيرة. وقد سبق لأهل الجنوب ان امتدت اياديهم الى امتلاك نصف الانتاج النفطي في الاقليم. بكلمة واحدة لن يكون هناك «اقتصاد وطني» تقوم ركيزته على «تخطيط قومي».

وربما يقود الأمر إلى إفلاس للاقتصاد، ذلك أن بروتوكولات اقتسام الثروة في إطار اتفاقات السلام التي أبرمت صيغة بنودها على أساس مبدأ «الأخذ» وتجاهل مبدأ العطاء». فمطالبات الحركات المسلحة انحصرت في «نصيب» الإقليم من الثروة القومية مع إسقاط «مساهمة» الإقليم في تكوين هذه الثروة ـ أي اقتسام عائد الإنتاج مع عدم مسؤولية الإقليم عن المشاركة في كلفة الإنتاج، أو خلق الثروة نفسها.

هذا وضع خطير بحاجة إلى تصحيح قبل فوات الأوان. ولكن السؤال هو: من يتولى مسؤولية التصحيح؟ إذا افترضنا أن هذه هي مسؤولية الأحزاب الكبرى، على صعيدي المعارضة والسلطة، فإن المؤسف أن هذه الأحزاب فقدت صفتها القومية أو كادت إلى درجة أنها أصبحت الآن في حالة صراع من أجل البقاء. وسؤال المستقبل المرئي إذن هو: هل تستطيع الأحزاب الكبرى إعادة إنتاج نفسها؟