بهذا المقال، يكتمل موضوع حروب الدبلوماسية الكويتية من أجل ترسيخ الاستقلال وقد أخذت ثلاثة مواقع من المواقع الكثيرة في حروبها المتعددة والمتنوعة، الأول في الجامعة العربية.
حيث ألقيت الضوء على الجدل والمساومات والمناورات التي رافقت قبول الكويت عضوا في الجامعة العربية في 20 يوليو 61 بعد ان شهدت الجامعة اجتماعات عاصفة كان الخوف على مصير الجامعة يتسيدها، وأهم ما في تلك التجربة، في عضوية الكويت في الجامعة، هي تدخلات الذين لا وزن لهم ولا تأثير لهم على حياة الكويت.
ولا إسهام لهم في دعم الكويت والمحافظة على استقلالها، وهذه التدخلات تأخذ شكل مقترحات وتقديم الأفكار التي في ظاهرها التهدئة وواقعها التخلص من الالتزام بغطاء التأجيل والبحث عن الحلول الدبلوماسية.
وإذا كان ذلك تقليدا في الجامعة العربية، فلا يوجد مثل ذلك في مجلس الأمن الذي طرقت الكويت أبوابه لأول مرة، في الأول من يوليو 1961، بتقديم شكوى ضد العراق بسبب تهديداته وادعاءاته مما يعرض الأمن والسلام العالميين للخطر.
وقد أرسل الديوان الأميري برقية بتاريخ الأول من يوليو إلى رئيس مجلس الأمن (سفير الإكوادور) موقعة باسم بدر الملا ـ سكرتير حكومة الكويت ـ يطلب فيها عقد جلسة طارئة للمجلس لبحث شكوى الكويت من التهديدات العراقية.
أحس المندوب العراقي بالتوجه العام في المجلس عدنان الباجهجي لعقد جلسة طارئة في يوم الأحد الثاني من يوليو 1961 لبحث طلب الكويت، هذا الواقع دفع المندوب العراقي لتقديم شكوى إلى مجلس الأمن ضد بريطانيا التي يقول فيها إن قواتها تهدد أمن العراق وسلامته واستقلاله وتشكل تهديداً تاماً للمنطقة.
عقد مجلس الأمن أول جلساته في يوم عطلة، وهو تقليد لا يتم إلا عند الطوارئ وربما حدث لإعطاء أهمية للوضع، وامامه شكوى كويتية وأخرى عراقية.
اثار مندوب الاتحاد السوفييتي السفير «زورين» المشهور بحبه لجدل الحروب الباردة معترضاً ـ من الناحية الإجرائية ـ على مبادرة بريطانيا نيابة عن الكويت، الطلب عقد اجتماع طارئ لأن معلومات موسكو تختلف عما جاء في الشكوى ـ يقصد لا يوجد تهديد من العراق.
تدخّل السفير البريطاني (سير باتريك دين) كأول المتحدثين، وقدم الوضع في شكله الحقيقي، وحدد بأن القوات البريطانية التي يشكو منها العراق وتدعمه موسكو ستنسحب من الكويت بمجرد ان يرى حاكم الكويت ان حالة «التهديد» التي تتعرض لها بلاده قد انتهت، وان ارسال القوات البريطانية بناء على طلب الكويت وهي دفاعية لا تشكل خطراً، وحدد السفير البريطاني المسببات للوجود بادعاءات اللواء قاسم وتهديدات بضم الكويت. وتنبأ بأن الكويت تنال قبول جميع دول العالم لاسيما الدول العربية.
تحدث السفير عمر لطفي مندوب الجمهورية العربية المتحدة وكما اشرنا في المقال الأول عن موقف القاهرة التي تصر ان يتزامن قبول الكويت في الجامعة العربية وفي الأمم المتحدة مع الانسحاب البريطاني، وتعلق أهمية على الانسحاب الذي ترى فيه تهديداً لأمنها وسلامتها وسلامة الثورة العراقية والأمة العربية.
يقول السفير لطفي إن الجمهورية العربية المتحدة ترى حل المشكلة وفقاً للتقاليد العربية، وان الجنود العرب لا يقاتلون بعضهم وان الأمة العربية في خضم صراع مع الإمبريالية.
وسيقبل الشعب العراقي مبادئ كفاح الشعب العربي كله، ويقول إنه سمع عن إرسال وحدات بريطانية إلى الكويت، ونحن نعتقد بأنه لا يوجد مبرر لأن تسمح دولة عربية بالتدخل الاستعماري وان الجمهورية العربية المتحدة قلقة لأن دولة عربية مفتوحة امام الاستعمار، وعبر عن الأمل بأن لا يتخذ العراق أي خطوة من شأنها تعكير صفو الأمن والسلام في المنطقة.
ونجد السفير لطفي وفياً لتعليماته فلم يشر إلى التهديدات العراقية ضد الكويت، ولم يعط مسببات لوجود القوات الأجنبية التي يشكو منها، وإنما ابدى استغرابه من قرار الكويت طلب النجدة من بريطانيا.
وإذا كان المندوب البريطاني في كلمته أخذ السبق في توجيه المداولات نحو التعاطف مع الكويت، فإن السفير لطفي أخذ المبادرة ليثير الفضول ضد التواجد البريطاني دون إعطاء الأسباب لهذا الوجود، وهو الأمر الذي استغلته موسكو، واستفادت منه كل من سيلان والاكوادور بعدم اتخاذ قرار.
في جلسة الخامس من يوليو 1961، قدمت بريطانيا مشروع قرار لحل الأزمة، وخلاصته:
احترام استقلال الكويت ووحدة أراضيها.على الجميع المحافظة على السلام والهدوء في المنطقة ومتابعة الموضوع من قبل مجلس الأمن.
وجاء السفير لطفي بمشروع مضاد يدعو إلى:
حل مشكلة الكويت بالوسائل السلمية
سحب القوات البريطانية فوراً.
ورأي المجلس تأجيل الاجتماع إلى يوم 7 يوليو لدراسة المشروعين المتعارضين، الأول تأكيد استقلال الكويت، والثاني يهمه سحب القوات والبحث عن حلول سلمية.
في السابع من يوليو 61، وفي بداية الجلسة، اعترض السفير لطفي على المشروع البريطاني، لأنه لا يشير إلى سحب القوات البريطانية وهي المسألة الأولى للقاهرة، وكان أول المتحدثين من أجل التأثير على الوفود.
وأيده مندوب الاتحاد السوفييتي، وعارض المشروع البريطاني، وأيد مشروع عمر لطفي الذي فيه سحب القوات.
اعترض المندوب السعودي الذي طلب الكلمة تعقيبا على كلمة «فوراً» في مشروع عمر لطفي لأنها غير عملية دون النظر في جوهر المشكلة.
صوت المجلس على المشروع يننال مشروع عمر لطفي ثلاثة أصوات فقط وهي: روسيا والجمهورية العربية المتحدة وسيلان.
نال المشروع البريطاني سبعة أصوات وهي: الولايات المتحدة، فرنسا، ليبيريا، تركيا، الصين، وشيلي، وبريطانيا، وهي أصوات كافية لنجاح القرار.
لكن الاتحاد السوفييتي استعمل الفيتو وأبطل المشروع وامتنعت الإكوادر عن التصويت بحجة ان الوضع غير واضح لها.
كان ذلك أول فيتو سوفييتي ضد الكويت في سلسلة سياسة الفيتو، وهو الأمر الذي شحن الجهود الكويتية في حروبها الدبلوماسية للعمل على تفريغ الفيتو باتباع دبلوماسية خاصة ونشطة ومواجهة بعقل.
من المناسب الإشارة إلى ان الكويت أصبحت عضوا في الجامعة العربية بتاريخ 20 يوليو 61، وفق قرار يشير إلى دعم الدول العربية مساعي الكويت للانضمام للأمم المتحدة، بمعنى ان تؤيد الدول العربية الكويت في طلبها الانضمام إلى الأمم المتحدة. في اجتماع الجامعة العربية أكد ممثل الجمهورية العربية المتحدة بأن ذلك لا يتفق مع سياسة بلاده ما لم تخرج القوات البريطانية.
وقد أصدرت القاهرة في الخامس من يوليو 1961، بيانا حول شكوى الكويت في مجلس الأمن، وهو بيان طويل، وأهم فقراته هي ان وفد الجمهورية العربية المتحدة الدائم في الأمم المتحدة تلقى تعليمات بأن يكون موقفه الرسمي في قبول موضوع الكويت عضواً في الأمم المتحدة على التحو التالي:تكرار المطالبة بضرورة جلاء القوات البريطانية عن الكويت فورا.
ان يرتبط التصويت على قبول الكويت عضواً في الأمم المتحدة بإتمام جلاء القوات البريطانية جلاء تاما وناجزا عن أراضيه لكي يصبح استقلال هذا البلد العربي خالصا لأهله، سليما من كل شائبة وان تكون لهذا الشعب عضويته في المجتمع الدولي ضمانة جديدة تعزز ضمانات تطوره السلمي.
موقف الجمهورية العربية المتحدة لم يعط مسببات الوجود البريطاني في الكويت أية أهمية في تقديراته، ولم يقدم شيئا في معالجته للمشكلة، وإنما يريد الانسحاب الفوري والكامل ويعتقد بأن عضوية الكويت في الأمم المتحدة ضماناً ضد عدوان اللواء قاسم.
وأهمية ما جاء في مداخلات المندوب العراقي بأن بريطانيا ليست مهتمة بحماية الكويت وإنما بتهديد امن وسلامة العراق، وانها حاولت إخراج الكويت من الدولة العراقية الحديثة باقتطاعها وفق معاهدة 1899 غير القانونية.
بينما مندوب الكويت عبدالعزيز حسن، كان مهذبا ووقوراً ونفى ان تكون الكويت في تاريخها تحت السيطرة العثمانية مشيرا إلى مراسلات بين حكومة اللواء قاسم والكويت، وطلب فتح قنصلية ورسائل تهنئة متبادلة، وان بريطانيا في الكويت بناء على طلب من حكوماتها بعد التهديدات العراقية.
وعلق ممثل الكويت ـ عبدالعزيز حسن ـ على المشروع الذي قدمته الجمهورية العربية المتحدة قائلا إن بلاده تواقة مثل غيرها من الدول إلى انسحاب القوات الأجنبية عن أراضيها ولكن في هذه الظروف التي يتعرض فيها استقلال الكويت ووحدته لتهديد جار قوي، لا تجد الكويت أي ضمان لاستقلالها في مشروع قرار السفير عمر لطفي.
ولهذا فقد امتنعت ثماني دول عن التصويت على هذا المشروع لأنه خارج نطاق المنطق ولا يلبي الضرورات للوضع المتأزم بسبب ادعاءات اللواء قاسم.
وبعد فشل القرار البريطاني المؤيد للكويت الذي حصل على الأصوات الضرورية وفشل بسبب الفيتو، طالب رئيس المجلس جميع الأطراف المعنية بالابتعاد عن أي عمل من شأنه ان يؤدي إلى اشتعال الموقف وانه سوف يدعو المجلس للانعقاد إذا دعت الظروف.
هذه الجولة الأولى في حروب الكويت الدبلوماسية ومجلس الأمن حققت فيها الكويت :
تأييد الأغلبية لاستقلالها.
تعاطفا وتفهما شاملا، خطفه الفيتو السوفييتي الذي لم يستعمل تأييداً لمطالب قاسم في الكويت، وانما سعياً لسحب القوات البريطانية من المنطقة في اطار خصومات الحرب الباردة.
مقترحات الجمهورية العربية المتحدة ليست واقعية وإن كانت منسجمة مع النهج الإيدولوجي القومي العروبي، لكنها لم تراع الحقائق ولم تستهد بشعور المخاوف للشعب الكويتي في طلب الحماية. في 18 فبراير 63 أسقط اللواء قاسم، وفي 7 مايو 63 رحب مجلس الأمن بعضوية الكويت، ومن المرحبين الاتحاد السوفييتي، وفي 14 مايو صوتت الجمعية بالإجماع على عضويتها كاملة.
ورفع العلم الكويتي في احتفال شارك فيه الشيخ صباح الأحمد الجابر، وزير خارجية الكويت في ذلك الوقت والسكرتير العام للأمم المتحدة يوثانت.
كاتب كويتي
Abdullah_bishara@yahoo.com