دعوة إيهود أولمرت العلنية لرئيس وزراء لبنان، فؤاد السنيورة، لعقد لقاء وفتح محادثات سلام مباشرة بينهما؛ محاولة أخرى لزيادة تأزيم الوضع اللبناني واللعب على تناقضاته. وليست هذه المرة الأولى التي تطلق فيها مثل هذه الدعوة.
لقد سبق لأولمرت نفسه أن رددها. وكذلك فعل نائبه شيمون بيريز، في مطلع حرب يوليو الأخيرة وفي كل مرة كان الرد اللبناني بالرفض، سريعاً وحاسماً. ومع ذلك لا يمل أولمرت من تكرار لعبته الماكرة الخبيثة. وها هو يعود أول من أمس إلى طرحها؛ محاولاً هذه المرة ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد:
صب الزيت على الوضع اللبناني الساخن؛ صرف الأنظار عن حربه العدوانية المتواصلة ضد الفلسطينيين؛ ومحاولة بائسة للترويج لنواياه السلمية المزعومة.
فهو يعرب عن استعداده للالتقاء السريع وغير المشروط مع السنيورة ومع الرئيس عباس أيضاً؛ في ذات اللحظة التي يواصل فيها طيرانه الحربي التحليق فوق الأراضي اللبنانية ـ ووزير دفاعه شدد وأكد على مواصلة هذه الطلعات ـ خلافاً للقرار 1701. وأيضاً في اللحظة التي تستعد فيها قواته لإعادة اجتياح قطاع غزة؛ من دون أن ينسى تجديد التهديد بضرب سوريا.
لعبة أولمرت مكشوفة ومفضوحة. لكن العلة تكمن في الوضعين اللبناني والفلسطيني المعروفين؛ والتي تعطيه الصراعات المحتدمة فيهما، الفرصة لممارسة هذا الخداع الملغوم.
والعلة الأخطر والأكبر، ان هذه الأوضاع لا تزال تتفاقم؛ خاصة الوضع الفلسطيني. وفي أحسن الأحوال هي تراوح مكانها من حيث استمرار التوتر والعجز عن إيجاد المخارج المؤدية إلى استتباب الأمور، ولو عند الحد الأدنى. فاحتمالات الانفراج لا تبدو قريبة، في الساحتين. والصراعات الداخلية تتعمق وتهدد بتطورات بالغة السلبية.
في لبنان، الانقسام المعروف على حاله، ومن حين لآخر يأخذ شحنة توتير، سياسي أو أمني؛ تعود معها حروب التراشق والشاشات إلى الاشتعال. ومعها تعود أجواء البلبلة والارتباك والتخوفات.
وفي الساحة الفلسطينية أزمة «فتح» و«حماس»، تبدو أنها باتت مستعصية. كل فريق يتخندق في مواقعه ومواقفه السياسية ويلوح بخيارات وأوراق؛ من شأنها أن تؤدي بالوضع إلى الدخول في متاهات قاتلة.
مثل هذا التفكك الوطني يشكل أرضية خصبة لإسرائيل وزعمها المتواصل، الذي طالما سعت لترسيخه وإشاعته؛ وهو أنها داعية سلام لكن مشكلتها أنها لا تجد الشريك العربي، وبخاصة اللبناني والفلسطيني للحوار معه. كما يفسح المجال لرئيس الحكومة أولمرت الغارق في أزمته السياسية بعد العدوان على لبنان، كي يعمل على تعويم وضعه الداخلي.
حيلة زعيم «كاديما» معروفة؛ بقدر ما هي معروفة حقيقة غاياته لو كان فعلاً يسعى إلى السلام؛ ولو بمقدار ذرة لكان التفت إلى الملف الفلسطيني وخريطة الطريق التي سدت إسرائيل كل الطرق إليها. أو لكان أعرب عن استعداد ولو مبدئي للنظر في المبادرة العربية.
السقوط الإسرائيلي مزمن في امتحان السلام. الرد الوحيد من الجانب الفلسطيني واللبناني يكون في عبور امتحان الوحدة الوطنية بنجاح. عندئذ تنقطع الطريق على ثرثرات أولمرت وأمثاله.