وصل الخرطوم نهار الجمعة الماضي أندرو ناتسيوس مبعوث الرئيس الأميركي لمشكلة دارفور بعد أن حلت مشكلة منحه تأشيرة دخول. لقد سبق للرئيس جورج بوش أن عين مبعوثا خاصا له في عام 2003 للسودان، هو السيد جون دانفورث، لتقويم أوضاع الحرب الأهلية فيه حتى تقرر الحكومة الأميركية ان كان في تدخلها جدوى لمعالجة المشكلة بالتعاطي مع حكومة الإنقاذ الأصولية أم تستمر في ذات الموقف المعادى لنظام الإنقاذ الذي وقفته الإدارة الديمقراطية في عهد الرئيس كلينتون.

وقد نجح دانفورث في دفع الحكومة والحركة الشعبية للتوصل إلى وقف إطلاق النار بجبال النوبة وفى تسريع وتيرة التفاوض حول ما تبقى من قضايا، ورفع تقريره إلى الرئيس بوش ينصحه بأن الفرصة مواتية إلى تحقيق سلام في جنوب السودان تحت مظلة أميركية. وقد كان! فهل ينجح المبعوث ناتسيوس في مهمته المعقدة بسبب تناقض المواقف حولها مثل ما نجح دانفورث؟

يعتبر السيد ناتسيوس من المقربين إلى الرئيس الأميركي فقد عمل معه في الفترة الماضية (2001 - 5002( مديرا لوكالة التنمية الدولية الأميركية (المعونة الأميركية سابقا)، وقد حث الكونجرس من خلال جماعات الضغط المعادية لحكومة السودان (فرانك وولف وآخرون) ومنظمات حقوق الإنسان الرئيس الأميركي لتعيين مبعوث خاص له يتابع مشكلة دارفور.

وقام الرئيس الأميركي بإعلان تعيينه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة التي خاطبها الرئيس البشير برفضه القاطع لقبول قوات أممية في دارفور. فالتعيين جاء استجابة لضغوط داخلية ولأزمة إنسانية متفاقمة في الإقليم ولقرار من مجلس الأمن يرفض السودان قبوله، مما ينذر بمواجهة بين الولايات المتحدة وحكومة السودان عبر مهمة المبعوث الخاص.

فما هي مهمة المبعوث الخاص؟ قالت السيدة جنداى فريزر، مساعدة وزيرة الخارجية للشؤون الإفريقية والتي سبق أن زارت الخرطوم لتبليغ الحكومة رسالة الرئيس بوش، ان مهمة المبعوث الخاص هي إقناع حكومة السودان بقبول القوات الدولية لوقف العنف الدامي في دارفور.

ولكن هذه الرسالة سبق أن بلغت بوسائط متعددة ورفضت، فما هو الجديد هذه المرة؟ هل ستهدد حكومة السودان بالويل والثبور، أم تحفز على حسن سلوكها ببعض المكافآت، أم الاثنين معاً؟

ومن الناحية الأخرى فإن وزارة الخارجية السودانية أدلت في بيان لها بأنها ترحب بالمبعوث الخاص ان كانت مهمته ايجابية تستند على برنامج يركز على اتفاقية دارفور للسلام، ودور الاتحاد الإفريقي في معالجة المشكلة، ويسهم في قضية الإعمار والتنمية بالإقليم، ويطور العلاقات السودانية-الأميركية. جمعت الحكومة كل طموحاتها في سلة واحدة وكأنها تحلم بليلة القدر!

فالتناقض صارخ بين تصور الطرفين للمهمة الأميركية بما لا يحتاج إلى مزيد توضيح. ويزداد حجم التناقض اذا أخذنا في الاعتبار طبيعة الشخصيتين المتحاورتين حول القضية المعنية.

فالسيد أندرو ناتسيوس ضابط احتياطى سابق في الجيش الأميركي، ورجل خدمة مدنية لسنوات طويلة توجها بإدارة وكالة التنمية الدولية، وذو تجربة سياسية محدودة مع الحزب الجمهوري في ولاية ماستشوست، وأستاذ في جامعة جورج تاون التي التحق بها في كلية العلاقات الدولية بعد استقالته من وكالة التنمية، وعرف الرجل بالوضوح والصراحة وولائه وطاعته لرؤسائه.

والشخصية المحاورة من الطرف الثاني هي رئيس الجمهورية شخصيا لأنه صاحب القرار النهائي ولأنه اتخذ أقوى المواقف في معارضة مجئ القوات الدولية، وكرر ذلك الموقف في كل محفل أتيح له ابتداءً من منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى إفطار النادي القبطي الذي ما توقع أحد أن يتحدث فيه عن قوات الأمم المتحدة وينسى تماما التعرض «لمطالب» صديقه القمص فيلوثاوس! وقد جمع الرئيس في شخصه التربية العسكرية الصارمة والأيديولوجية الأصولية والحمية بالإضافة إلى هيبة المنصب الذي يتقلده، فإن له التنازل عن موقف أشهد عليه كل الناس؟

خاصة وأن الطلب بالتنازل يأتي من دولة متعجرفة أدمنت في عهد المحافظين الجدد التهديد باستعمال القوة ضد من يقف في وجه سياساتها الدولية الرعناء، وتؤمن بأن حكومة السودان لا ترعوى الا تحت التهديد والوعيد، وقد أخلفت كل وعودها السابقة بتطبيع العلاقات ورفع العقوبات عن السودان إذا ما توصل إلى اتفاقية سلام شامل مع متمردي الجنوب.

لا تبدو الصورة مطمئنة لوصول الطرفين إلى خطة وسطى. ولكن هنالك اعتبارات مهمة تدفع كلا الطرفين إلى البحث عن مخرج من النفق المسدود، رغم إدراكهما للبون الشاسع بين موقفيهما.

بالنسبة للحكومة الأميركية فإن استعمال القوة العسكرية لدخول دارفور أو لإسقاط حكومة الخرطوم يكاد يكون احتمالا معدوما، لأنها غارقة حتى الخاصرة في وحل أفغانستان والعراق بسبب تدخلها العسكري الذي أثبت فشله في تحقيق أهدافه .

ولكنها مضطرة للاستمرار فيه حتى لا تجرح كرامتها أكثر، ولأنها لن تجد السند الدولي المطلوب للتدخل العسكري حتى من أصدقائها في حلف الأطلسي، ولأن كراهيتها في العالم العربي والإسلامي قد بلغت مداها فلا تحتاج إلى أن تزيد النار حطباً وتدفع الكثيرين من الشباب لارتكاب المزيد من العنف ضدها.

ولأن التدخل العسكري لن يؤدى إلى وقف العنف في دارفور بل الأرجح أن سيزيد منه تماما كما حدث في العراق، كما أنه سيجهض تنفيذ اتفاقية السلام الشامل التي رعتها الإدارة الجمهورية وعولت عليها في وقف الحرب الأهلية التي دامت طويلاً، ولأن التكلفة الاقتصادية ستكون أيضا باهظة.

يؤخذ على ناتسيوس أنه أساء تقدير تكلفة التعمير والتأهيل في العراق اذ بلغت التكلفة عشرات المرات على التقدير الذي قال به، إلى درجة أدت إلى إهمال قضية التعمير والتركيز فقط على الناحية الأمنية والسياسية المتعثرة. وإذا كان الخيار العسكري غير وارد فقد لجأت أميركا إلى تجديد العقوبات ضد السودان منفردة وقد تلجأ أيضاً لفرض عقوبات عن طريق الأمم المتحدة، مثل حظر الطيران في منطقة دارفور، ومنع الاستثمار والتجارة على الشركات مع السودان، وتجميد أرصدة السودان.

وحظر سفر كبار المسؤولين الحكوميين الخ... ولكن من المشكوك فيه أن تجد أميركا التأييد الدولي اللازم لكل تلك العقوبات، خاصة القاسية منها (مثل حظر الطيران ومنع تجارة النفط)، وليس من مصلحتها السير أكثر في طريق القرارات الأحادية، كما أن العقوبات لا يحتمل أن تؤدى إلى إسقاط الحكومة أو إلى وقف العنف في دارفور.

وان أدت إلى إسقاط الحكومة فإن الفوضى هي البديل ليس في دارفور فقط ولكن في معظم أنحاء السودان. لكل هذه الاعتبارات فإن الموقف الأسلم للمبعوث الخاص أن يبحث عن خطة وسطى تعالج العنف ولا تزيده اشتعالا ولا تسئ إلى سمعة الحكومة الأميركية.

ومن الجانب الآخر فإن حكومة السودان تعاني من مشكلات وكوابح عديدة تدفعها في اتجاه البحث عن تسوية تنقذ ماء الوجه. أول هذه المشكلات أن هناك أزمة أمنية وإنسانية متفاقمة في دارفور مهما كان الخلاف حول أعداد النازحين واللاجئين والقتلى وأن سياسة الحكومة التي اتبعتها منذ البداية ساهمت في تفاقم المشكلة، وأن قوات الاتحاد الافريقي لم تنجح في كبح جماح العنف .

وفي توصيل الإغاثة الإنسانية، وأن اتفاقية السلام الجزئية مع فصيل مناوى لم توقف وتيرة العنف بل زاد عما كان عليه، وأن الحكومة لم تستطع الوفاء بالاتفاقات التي أبرمتها مع المجتمع الدولي مثل نزع سلاح الجنجويد ومحاكمة مرتكبي جرائم الحرب ووقف إطلاق النار، وأثبتت خطتها البديلة لدحر الفصائل غير الموقعة عسكريا فشلاً ذريعاً.

ولم يستطع المؤتمر الوطني أن يقنع أكبر شركائه في الحكومة أو أحزاب المعارضة أو الفصائل المسلحة في دارفور بسلامة موقفه من دخول القوات الدولية. فالحكومة لا تستند على أرض صلبة في موقفها إزاء استمرار المأساة الإنسانية في دارفور.

خلاصة القول ان كلا الطرفين يحتاج إلى تسوية عاقلة تعالج أزمة دارفور تتمثل في المجالات الآتية: إلحاق الفصائل غير الموقعة باتفاقية السلام من خلال الاستجابة إلى بعض مطالبهم المعقولة بتفاوض مباشر تشهده الولايات المتحدة، زيادة قوات الاتحاد الإفريقي ودعمها بالخبراء والفنيين والمعدات والأموال.

وأن تسهم الولايات المتحدة في ذلك الدعم، تمديد بقاء القوات الإفريقية إلى منتصف العام المقبل وإذا فشلت حتى ذلك التاريخ في تحقيق مهمتها تنتقل تلك المهمة إلى قوات دولية، تحفيز فصائل دارفور بدعم عملية التعمير والتأهيل والتنمية وحكومة السودان بتطبيع العلاقات معها، الالتزام الصارم باتفاقيات وقف إطلاق النار ومعاقبة الطرف الذي يخرج على ذلك.

وضع خريطة طريق واضحة لتنفيذ اتفاقية السلام وملحقاتها بين حكومة السودان وفصائل دارفور، تحدد مسؤولية كل طرف وواجباته، بتوقيت معلوم وآليات مراقبة دولية تشهد عليها الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الإفريقي. وسيكون من الأفضل للسيد ناتسيوس لإنجاح مهمته أن تكون زيارته الأولى مخصصة للاستماع والتنوير وجمع المعلومات في المقام الأول قبل أن يقترح حلولا سبق اعدادها دون اعتبار للطرف صاحب القضية.

عليه أن يحسن الاستماع أولا لخطة الحكومة في معالجة أزمة دارفور، وأن يستمع كذلك لقيادات الفصائل المسلحة والأحزاب السياسية وأهل دارفور وبعض منظمات المجتمع المدني المعنية بالمشكلة، وأن يتنور ميدانيا من مسؤولى الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي قبل أن يكوّن رأيه في كيفية المعالجة التي يقدمها للحكومة الأميركية لتنظر في تبنيها.

كاتب سوداني