كانت الحرية على مدى التاريخ الطويل للإنسانية غاية كبرى، وحاجة أساسية لا تقل أهمية عن حاجة الإنسان للهواء والماء والطعام؛ فالإنسان الذي يسُلب الحرية تنُتقص إنسانيته وتثُلم ثلما، فيغدو وقد فقد منها جوهرها السامي وروحها التي تضع على جبينه إكليل التميّز عن سائر المخلوقات والتفوق عليها في امتلاك حق الاختيار.
واتخاذ القرار من دون قيود الانسياق إلى الآخرين أو التبعية لهم أو الانقياد لسلطتهم والخضوع لنفوذهم. وتاريخ الإنسانية زاخر بالقصص والحكايات والأحداث والمواقف التي ارتبطت ارتباطا وثيقا بمطلب الحرية، فكثير من صفحاته سُطِّرت بدماء الأحرار الذين أبت عليهم إنسانيتهم أن يركعوا ويكونوا عبيدا للآخرين، سواء كانت هذه العبودية عبودية جسد أو فكر أو وطن.
والتاريخ يحفل أيضا، في المقابل، بصور كثيرة مقيتة للاستبداد والتسيّد واستعباد الآخرين وسلبهم حق العيش الكريم، ووضعهم في إطار ما يريده المستبد وما يهواه وما يحقق له المصالح والسيادة والقوة على حساب كرامة البشر وحقهم في الاختيار والرفض، وحقهم في ممارسة حياتهم على الوجه الذي يبتغونه ويتطلعون إليه بعيدا عما يريده الأسياد الذين لا يزال سيفهم مسلطا على الرقاب يكفل لهم الانقياد والطاعة والصمت المطبق الذي يعلن في كل لحظة موت إنسانية الكثيرين بسلب حريتهم وتكبيلهم بقيود العبودية المرّة السوداء.
ولا يتصور عقل أنْ تكون العبودية اختيارا يسعى إليها المرء راضيا، فيخنع تحت أقدام غيره ممن هم أعلى منه شأنا أو أشد منه سلطة، فلا شيء يعدل في الحياة الحرية، وليس في الوجود ثمن يعادلها أو يكون لها بديلا.
وعلى الرغم من أنّ الأحرار في كل زمان و مكان قد يجدون أنفسهم في كثير من الأحيان يدفعون ثمن الحرية غاليا قد يصل أحيانا إلى حدّ التضحية بالنفس، إلا أنهم يرضون في سبيل ألا تُمس حريتهم التي تكون غالبا قرين كرامتهم وثباتهم على مبادئهم بكل التضحيات، وتراهم رغم الأذى المادي والمعنوي سعداء قد فازوا باحترام أنفسهم واحترام الآخرين، وعلوا على من يحاول إخضاعهم بكرامتهم وثباتهم على ما يرونه حقا، وانتصارهم على كل صور التهديد والوعيد أو محاولات الإغراء والاستمالة.
وهؤلاء في كل زمن قلة قليلة؛ لأن الثبات على المبدأ واختيار المرء أن يكون حرا لا يستعبد لأهواء هذا أو إملاءات ذاك، رغم النفوذ الذي قد يتمتعان به، ليس بالأمر السهل اليسير، خاصة إذا ماجت الأرض بالمنافقين والجبناء ومن يضعون في أعناقهم قيد العبودية طوعا وانقيادا للسادة الذين يكافئونهم على ذلك بفتات موائدهم. وهنا يحضرني قول الشاعر العربي:
تعيرّنا أنّا قليل عديدنا
فقلت لها إنّ الكرام قليل
ولكن التاريخ الطويل للإنسانية يمتلئ بنماذج أخرى باعت نفسها وكرامتها للآخرين ممن هم أعلى منها شأنا وسلطة، فغدت ظهورا تُركب، ونفوسا تباع وتشترى، تقبل الإذلال والانقياد راضية خانعة وعينها على فتات الأسياد، تتطلع قلوبها إلى الثمن إن عاجلا وإن آجلا، وترى فيه غاية أمرها ومنتهى سعادتها، وتظنّ أنها بنيله قد نالت ما تحلم به من مكانة وقوة وكبرياء.
ولا أظن أنّ أمثال هؤلاء لا يعرفون حقيقة أنفسهم، ولا يدركون حقارة ما وصلوا إليه إلا أنّ قيود الذهب التي تلمع في معاصمهم أعمت بصيرتهم، وطعم الحلوى في أفواههم أنساهم عظم جريمتهم في حق أنفسهم وحق مجتمعهم وحق مبادئهم.
وهؤلاء هم الذين يلقون الحظوة والقبول عند الأسياد؛ لأنهم يسارعون إلى التلوّن باللون الذي يوافق أمزجة أسيادهم، وإن أدى ذلك إلى الانسلاخ من جلودهم إن كانت مما لا يفضله الأسياد ولا ترتاح له أعينهم.
وهم الذين يحملون لواء التبشير بما يمليه عليهم هؤلاء. والدفاع عنه وتجميله في أعين الناس، حتى يغدو الشوك في منطقهم وردا والسواد بياضا والباطل حقا، فتصبح مهمة تغيير المسميّات من المهمات السامية التي يتسابقون لنيل شرفها، وحيازة فضلها، لتصبح - بعد ذلك- دليلا على عبقريتهم وسرعة بديهتهم وتقدمهم على غيرهم ممن يوضعون، حينها، في زمرة المتخلفين الذين يقفون حجر عثرة في الطريق، ولابد من قذفها إلى حيث لا تشكل مصدر إزعاج لهم، ولا مرآة ناصعة ينعكس عليها لباس الذل والخنوع الذي يلبسونه ويتزينون به.
إنّ هذه النماذج من البشر لا يخلو منها زمن، ولا تعدمها المجتمعات، وهي حاضرة في الحياة بقوّة، تقدم - على مدى التاريخ- صورة للإنسان حين يهوي في الدرك الأسفل من الإنسانية وهو يظن أنه يعانق القمم الشماء، سعيدا بنفسه، مزهوا بذاته. ولكنه، على الرغم من ذلك، لا يستطيع أن يتخلص من سيما العبودية في وجهه وصوته ولغته. إنهم كما وصفهم يوما الشاعر بقوله:
نرضى الحياة على الهوان كأنما
كلُّ المطامع أن نعيش إلى الغد
ونذل ذلا للعدى ونُجلهم
وننيلهم منا كبير المقصد
هذي النفوس ضعيفة نشأت على
ذل الضمير ورِبقة المستعبد
والأمر الذي يستدعي التأمل أنّ أمثال هؤلاء يظنون في كثير من الأحيان، أنهم بما حققوه من انتصارات هشّة، وما بلغوه من مآرب هينة قد حققوا التفوق على زمرة الأحرار الذين يصدحون بالحق، غير آبهين بما قد ينالهم من ضرّ وأذى. فيجتمعون يهنئون أنفسهم، ويتشاركون فرحة النصر المزيف، وقد يصل الأمر ببعضهم إلى أن يزداد غرورا على غرور فينتفش انتفاش الطاووس، ويرى نفسه بطلا قد حقق النصر المبين.
إنّ النفس البشرية في تاريخها الطويل تقدم لذوي البصر والبصيرة أدلة شديدة العمق على أنّ ميزان الربح والخسارة دقيق أشد الدقة، بالغ الحساسية، ولكنّ كفتيه لا تحركهما بضاعة المتسيدين وأذيالهم من العبيد، فبضاعة هؤلاء زبد يذهب جفاء وإن طال البقاء وامتد الزمن. أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، قد لا تراه العيون، ولا تشعر بوجوده النفوس، إلا أنه حين يأتي أوانه ينبت شجرا أخضر وارفا، أصله ثابت وفرعه في السماء، يؤتي أكله كل حين بإذن ربه.
إنّ البشر دائما في امتحان اختيار. فمنهم من يختار عزّ الحرية، ومنهم من يختار ذل العبودية، وشتان ما بين هؤلاء وهؤلاء. وصدق الإمام علي كرم الله وجهه حين قال: «لا تكن عبد غيرك، وقد خلقك الله حرًّا».
جامعة الإمارات