السودان ظل على قائمة التفتيت التي نسجت خيوطها دول أوروبية وأميركا مع إسرائيل، وقد وضحت الصور المتتالية في لبنان، والجزائر، وتحققت في العراق، وعلى الطريق دول أخرى بدأت معالم الخلافات الداخلية تتفجر على شكل ديني، وطائفي، وقومي، والسودان الذي استطاع تجاوز حرب الجنوب مع الشمال وتوقيع اتفاقية مع متمردي الشرق، قد يجد حلاً لقضية دارفور، وفقاً لمعادلة صحيحة لا تضر بأي طرف، ولا تجحد الحقوق للمظلومين من المشردين والقتلى..
القذافي استفاد من رؤية صدام يخسر نفوذه، ويخرج من مخبئه بأن وقع على اشتراطات أمريكا، والتنازل عن كل ما كان يجعله بطلاً عالمياً بنظرية خاصة طلب أن تكون منطلقاً لطريق بشري تقوده ليبيا، وقد يكون فعله موضوعياً وعاقلاً لتجنب مأساة قد تحدث، والسودان مطالب أن يحل تناقضاته بعيداً عن دفع الخصوم إلى اللجوء للخارج وإحداث قطيعة بين فئات الشعب تنتهي بحروب ثم تفرض الدول الأجنبية التقسيم على قاعدة الحقوق المشروعة..
لو نظرنا لكل من السودان، والعراق، بعيون أكثر اتساعاً لرؤية البلدين، وكيف أن إمكاناتهما المادية والبشرية، وموقعهما الجغرافي، تضع كل مواطن على قائمة الأفراد الأكثر غنى في الوطن العربي، وحتى الدول النفطية التي تتميز بعائد غير دائم، فإن القضية لا تحتاج لأكثر من وفاق وطني يبنى على عقلية الشراكة لكل التنوعات القومية والدينية، وأنه لا يمكن أن تقوم دول على أشلاء وطن، لأن العالم كله يتجه للتحالفات والوحدات القارية، أي بمعنى العولمة ليس للإقليم أو الوطن الصغير قيمة أمام هذه التكتلات، وبالتالي فكل من السودان والعراق قادر على لعب دور فعال لو أجاز الفرقاء مفهوم الوطن للجميع، وتلاقوا على صلح يبدأ بالتخطيط لدولة حديثة يحترمها الجميع ويقر بقوانينها ودساتيرها، بصرف النظر عن الثارات وأخطاء التاريخ الحديث والقديم..
لقد ظل السودان خارج المعادلات السياسية المتحركة والمتصادمة مع قضايا المنطقة المباشرة، ليس بسبب عزلته التي لم تحدث، وإنما لأنه البلد الذي أصبح في نظر الدول الخارجية، احتياطياً شاملاً للعديد من المشاريع، لكن دخول الصين منافساً في أفريقيا ومغازلتها للسودان الذي تعتبره المنجم الأهم على طرفي الوطن العربي، وقارة أفريقيا، أثار شهوة الأمريكان والأوروبيين، وهنا بدأت معالم التدخلات المباشرة، أو بالنيابة تظهر على شكل حروب سياسية،
لكن السودان ربما شعر بالخطر، وأنه ما لم يتجاوز أزمته الداخلية، فإنه لن يستطيع دفع الخصوم وإبعادهم عن حدوده، وربما قلبه، والمشكلة الأهم أن الشمال الذي يحكم هذه الأقاليم وعاش أدواراً متحركة بعضها أراد تحقيق الديموقراطية، وآخر جره إلى المعسكر الشيوعي، وثالث أراد جعله مركز ثقل للتطرف الإسلامي، إلى جانب ترهل القيادات الكلاسيكية وأحزابها، أدى إلى هذه الأزمات التي كبرت، وجاء الحل ليفرض نفسه أو القبول بتفتيت يلغي وحدة السودان وترابطه..