ريتشارد دانات: هذا الاسم سيدخل التاريخ. بوصفه رئيس هيئة أركان الجيش البريطاني طالب الجنرال دانات علناً وصراحة بسحب القوات البريطانية من العراق قبل فوات الأوان وبسرعة.لقد انتقد هذا الجنرال الكبير التخطيط لما بعد الحرب التي قادتها الولايات المتحدة في عام 2003 واصفاً إياه بأنه سيئ.
وقال في مقابلة صحافية إن الوجود البريطاني العسكري في العراق أضر بأمن بريطانيا في الخارج. ومضى إلى القول في مقابلة صحافية إن تكليف الجيش البريطاني بمهام في العراق تفوق طاقته قد يؤدي إلى انكساره. وأضاف ان التخطيط لما حدث بعد النجاح المبدئي في مرحلة القتال كان سيئاً وربما استند إلى التفاؤل أكثر منه للتخطيط السليم.
هذا هو الرجل الذي يتولى أعلى رتبة في الجيش البريطاني يحذر من هزيمة لهذا الجيش يرى أنها حتمية. ورجل على هذا المستوى من المسؤولية العسكرية وهو لا يزال في الخدمة لا يمكن أن يصدر منه مثل هذا التحذير الخطير دون أن يكون قد توصل إلى قناعة نهائية.
بطبيعة الحال لم يشر الجنرال دانات إلى القوات الأميركية رغم أن وضعها في العراق أسوأ كثيراً من وضع القوات البريطانية الحليفة لأن مصير الجيش الأميركي ليس من شأنه المهني.
التاريخ سيذكر الجنرال دانات باعتبار أنه الرجل الذي دعا إلى انسحاب مشرف للقوات البريطانية من العراق قبل أن يضطر إلى تنفيذ خروج إذلالي في سياق هزيمة مدوية.هذا يعيد إلى أذهاننا اسم روبرت ماكنمارا وزير دفاع الولايات المتحدة خلال الحرب الفيتنامية حتى عام 1968.
لقد توصل ماكنمارا إلى قناعة مماثلة لقناعة الجنرال البريطاني فنصح الرئيس الأميركي ليندون جونسون بوضع نهاية للحرب وسحب القوات الأميركية. وعندما رفض الرئيس النصح لم يتردد ماكنمارا في تقديم استقالته، وبذلك دخل اسمه التاريخ.
آنذاك وبعد ثلاث سنوات من بداية الحرب كان مسلك القوات الأميركية في فيتنام لا يختلف عن مسلكها حالياً في العراق: حالة عامة من الشعور باليأس كانت تدفع بهذه القوات إلى ممارسة القتل العشوائي الجماعي بين المدنيين. وكان هناك إسراف في عمليات قصف القرى والمدن الفيتنامية من الجو.
وفي إشارة إلى هذه العمليات الوحشية قال ماكنمارا في خطاب استقالته إلى الرئيس: «قد تكون هناك حدود لن يسمح بعدها كثير من الأميركيين وأغلبية العالم للولايات المتحدة بأن تذهب بعيداً. إن منظر القوة العظمى في العالم وهي تقوم بقتل أو إصابة المدنيين بمعدل ألف حالة في الأسبوع الواحد عن طريق قصف شعب صغير بشأن قضية مشكوك في قيمتها الأخلاقية ليس منظراً جميلاً».
في وقت لاحق في نفس العام الذي استقال فيه ماكنمارا اضطرت إدارة جونسون ـ مع تواصل الهزائم ـ إلى فتح عملية تفاوضية مع الجانب الفيتنامي. وتقدم الفيتناميون بشروط محددة لتوقيع اتفاق سلام. ولكن الولايات المتحدة رفضت هذه الشروط.
وبعد سبع سنوات من استمرار القتال وافقت الإدارة الأميركية على الانسحاب وتوقيع اتفاق سلام بنفس الشروط التي سبق أن رفضتها. كان ذلك ذروة الاذلال للقوة العظمى.ومثل هذا بالضبط هو ما يحذر منه الجنرال البريطاني ريتشارد دانات الآن بشأن الحرب في العراق.ويبدو أن التاريخ سيعيد نفسه.