إن ما تشهده الساحة المحلية من نشاطات ذات صبغة سياسية، في هذه الأيام، يؤكد على أن المرحلة القادمة ستكون استثنائية في أهميتها، فهي إحدى مراحل التطور والتقدم غير المسبوق في دولة الإمارات العربية المتحدة.
بل هي مرحلة الانطلاقة نحو المستقبل، نحو مزيد من تعزيز دور السلطات المختلفة للدولة، سواء في مجالات التشريع أو في مجالات تحديد الصلاحيات، وبشكل يعزز كيان الدولة الاتحادية، ويعيد عجلة الحياة في المجالات الاقتصادية والسياسية و الاجتماعية إلى الدوران.
إن انعقاد العديد من الندوات والتي عادة ما يكون المتحدثون فيها ممن لهم باع طويل في مجال التنمية السياسية، وممن يمتلكون رؤية واقعية واستشرافية في بعض الأحيان، أحد العوامل الهامة في إنجاح التجربة الجديدة في حياة مجتمع الإمارات. هذا على الرغم من أن رؤية البعض غير واضحة، أو أنها قد تبدو شاذة أحياناً، حيث يمسك هذا البعض العصا من الوسط تاركاً تحديد موقفه النهائي إلى حيث تتجه الريح !!.
إلا أن الجميع يتفق، بشكل أو بآخر، بأن دولة الإمارات العربية المتحدة قد قررت، سواء على المستوى القيادي، والمتمثل برئيس الدولة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، ونائب رئيس الدولة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وإخوانهما حكام الإمارات، أو على المستوى الشعبي، سواء من النخبة الاجتماعية، أم من خلال حديث عامة الناس حول رؤيتهم للمستقبل، أن بداية تحقيق الحلم في المشاركة السياسية نحو ترسيخ مرحلة التنمية بمفهومها الشامل قد أزفت وأن تباشيرها ستنطلق في الشهور القليلة المقبلة.
إن هذه الأجواء الجديدة المتفائلة هي تأكيد على أن التراكم التأريخي لترسيخ العقد الاجتماعي، والذي يتم من خلاله السير بالمجتمع نحو بر الأمان، بما يحفظ حقوق الجميع، ولا يترك مجالاً للقوى الخارجية للتلاعب على تناقضات المجتمع قد أعطى نتائجه وأنه يسير بثبات نحو الأمام .
من المهم أن يدرك الجميع أن المحافظة على المعادلة الداخلية هي التي تحفظ المجتمع، ولا تترك مجالاً لخلق أية فجوة بين الفئات الاجتماعية والسياسية المختلفة.
إن مجتمع الإمارات، بشكل عام، لا يختلف من حيث التطور عن بقية مجتمعات دول مجلس التعاون، اللهم إلا في شيء واحد فقط، وهو إنه قد شهد التجربة الوحدوية الوحيدة، على المستوى العربي، التي استمرت على الرغم من كل الظروف دون أن تحدث أية إشكالات بين أطرافها، ودون أن يكون للقوة أي دور في تثبيت كيانها.
وقد أكدت هذه الوحدة على أنها تستطيع أن تتطور وأن تتدعم بفعل آليات التلاحم الداخلي في كل مرحلة من المراحل التي مرت بها المنطقة، بل يمكن القول: إن التقدم في المجال الاقتصادي أوجد حالة من الثقة على استمرار هذه التجربة لما بعد مرحلة النفط، وفي نفس الوقت أنها قادرة على مواكبة مرحلة العولمة واتفاقية الجات.
إن المرحلة الجديدة، والرؤية الجديدة، سواء على مستوى القيادة أو مستوى النخب بشكل عام، تؤكد على دور الحراك الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للمرحلة القادمة، ولعل التشكيل الجديد للسلطة التنفيذية في الدولة، كان بداية المرحلة الجديدة، وإن الحياة السياسية بحاجة إلى إعادة نظر في ظل الظروف الجديدة، وفي ظل المتغيرات على المستوى المحلي والعربي والعالمي.
وإن العودة إلى المطالب الداخلية وخاصة في مرحلة السبعينيات من القرن الماضي قد حان وقت أخذها بعين الاعتبار بعد ما نضجت الظروف الموضوعية و تمت إزالة كل المعوقات التي حالت دون تحقيقها من قبل. إلا أن ذلك لا يعني، بأي حال من الأحوال، القفز على المراحل، إن التعامل مع البنية الفوقية يحتاج إلى وقت، وإلى استخدام المنهج العلمي في التطور والتقدم.
إن التأريخ (وهو المعلم الأول)، يؤكد على أن الدخول إلى مراحل جديدة من مراحل تطور المجتمع يحتاج إلى تخطيط علمي مدروس، وأن العَجلة عمل من عمل الشيطان !! وما أكثر أولئك الذين يريدون حرق المراحل، ولأسباب ذاتية لا علاقة لها بالوطن أو الإنسان دون أن يعرفوا عمق المشاكل التي تورثها خطوات عَجولة لم تنضج الظروف الذاتية لاستيعابها.
في ظل هذه الأجواء (أجواء العراقة والشفافية والمكاشفة)، تبرز إلى السطح العديد من التساؤلات منها: ما هو دور مؤسسات المجتمع المدني، وفي طليعتها جمعيات النفع العام من جهة ؟
وما هو دور المؤسسات الأخرى في ترسيخ الثقافة الانتخابية وتوعية المجتمع بأهمية المرحلة المقبلة وبجسامة المسؤولية الملقاة على عاتق هؤلاء الذين أنيطت بهم مهمة اختيار أعضاء المجلس الوطني، في اختيار الأعضاء الحاملين لشعلة التطور والانفتاح والعصرنة، والبعيدين كل البعد عن الإغراق في الانغلاق أياً كانت أسبابه ؟.
وهنا لنا أن نتصور ما يمكن أن تحدثه الخطوة الجديدة في الإمارات من تحريك المياه الراكدة في حياة الجمعيات ذات النفع العام، وإعادة الروح إليها، و تعزيز دورها في ظل القوانين السارية، في الترشيح والانتخاب ؟.
فهل ستشهد جمعيات النفع العام منافسة بين مختلف الفئات الاجتماعية في المرحلة الجديدة ؟ وهل سيعود إليها زخم الثمانينات ؟، حيث لا يفوز الأعضاء بانتخابات مجلس الإدارة بصورة تكاد تكون شكلية، أو بالإجماع، وبعد أن تدور مداولات يتم من خلالها دفع البعض للترشيح، وحتى لا تتدخل الجهات المعنية لفرض مجالس إدارة من قبلها !!.
في المجتمعات المتقدمة يلاحظ أن الصراع الأول لنيل المبادرة في تطبيق برنامج خدمة الوطن يكون من خلال مؤسسات المجتمع المدني، وبعد ذلك يكون من خلال انتخابات البرلمان أو المجلس الوطني أو مجلس الأمة.
وفي هذا المجال من المؤكد أن تيارات الإسلام السياسي هي التي تدرك أهمية ذلك، إلا أن القوى الأخرى تظل تنتظر فرصة ركوب قطار من نوع آخر وهو قطار قد لا يأتي، وإن جاء فربما سيأتي متأخراً وبعد فوات الأوان.
إن المرحلة الجديدة تحتاج إلى فرسان من نوع آخر، ذلك النوع الذي يؤمن بشكل قاطع بأهمية العقد الاجتماعي، وأن الناس سواسية في الحقوق والواجبات.
رئيس وحدة الدراسات والبحوث بـ البيان
malmutawa@albayan.ae