التطورات الفارقة ليوم أمس الأول قد تجعل من 14 أكتوبر محطة فاصلة في تاريخ العراق. فهي مشحونة بمدلولات وأبعاد شتى بان البلد بات على عتبة انعطافة حادة تهدد بكسر تركيبته وصيغته وبالتالي مصيره. حتى المألوف منها - الأمني - أخذ طابعاً متميزاً في خطورته ودمويته.
وحصوله بالتزامن مع خطوات سياسية غير مألوفة، ولو إنها رمزية في لحظتها ولا تقف على ارض صلبة، إلا أنها تؤشر إلى تحولات قادمة، لا تزال قيد التبلور. وهي تحولات تتجمع عناصرها وتتوالى الإشارات عنها، من كل صوب.
على الصعيد الأمني ما حصل في مدينة بلد من قتل وقتل مضاد على الهوية مع ما رافقه من تبشيع بالجثث وقطع رؤوس ذهب ضحيته العشرات كان أكثر من مجرد عملية عنف طائفي - مذهبي مألوف فهو أتى في سياق تصاعد وتيرة هذا النمط من التصفيات التي تمثلت بالخطف والقتل الفوري وبالترافق مع تنامي الحديث والتلويح وربما التأسيس لخيار التقسيم.
وكأن الموجة الأخيرة من هذه التصفيات جاءت لتعميق الشرخ والتخريب على أية محاولات لرأب الصدع ولملمة الوضع العراقي ولو بالتلزيق، ريثما تنضج ظروف أكثر ملاءمة لإعادة صياغة وحدته على أسس متينة.
أما على الصعيد السياسي فقد أعلن تنظيم القاعدة عن إقامة «دولة العراق الإسلامية» في عدد من محافظات العراق، وذلك بعدما صار «للأكراد دولتهم» كما جاء في شريط الفيديو «وبعد إقرار البرلمان قانون تشكيل الأقاليم».
طبعاً الإعلان هذا حصل على الورق. على الأرض المسألة مختلفة. مع ذلك هو يشكل شحنة تزخيم جديد وقوي لثقافة التفكيك، كما لثقافة العنف المذهبي المستفحل والذي يهدد بالخروج عن السيطرة تماما.
صحيح انه رمزي أكثر وأبعد مما هو واقع، بالمعنى الكياني، لكنه في ظل المناخات السائدة، يكتسب طابع التطور النوعي والفعال، سواء على مستوى الإرباك والتأجيج للصراعات أو على مستوى تجذير التيار التقسيمي، المتواجد في كافة المواقع. أو على الأقل غالبيتها. وبخاصة أن الإعلان يجيء في لحظة تعثر سياسي وأمني يقترب من نقطة الانسداد.
لا المصالحات العشائرية ولا الخطط الأمنية قدرت على وقف التدهور. والحكومة بين حجري الرحى. من جهة هي تحت ضغوط مهلة أميركية، ذكر السيناتور وورنر أنها تتراوح بين شهرين إلى ثلاثة أشهر. ناهيك بالتلويح البريطاني بانسحاب وشيك ومن جهة ثانية هي لا تقوى حتى الآن على الأقل على تنفيذ الخطوات الأمنية التي وعدت بها، وعلى رأسها نزع سلاح الميليشيات.
وفي خطوة لاستعادة المبادرة أو لتقليل الخسائر قامت الحكومة على صعيد وزارة الداخلية بتسريح ثلاثة آلاف عنصر من المتهمين بانتهاك حقوق المعتقلين.أي المشاركين في العنف الدائر.
مرة أخرى التردي الأمني في العراق ليس بجديد. والمواطن العراقي الذي كان ذنبه قبل الاحتلال انه مواطن في دولة حكمها نظام دموي، صار ذنبه اليوم انه ينتمي بالولادة إلى هذه الطائفة أو تلك.
والأوضاع الحالية المتفاقمة تهدد بتحويله إلى واحد من رعايا طائفته بعد فك علاقة المواطنة بينه وبين العراق. وهي حالة تنطوي على قدر من الخطر الذي ينبغي أن يكون كافيا لتحريك وإيقاظ صحوة مستعجلة لوقف هذا الانهيار قبل أن يصبح من المستعصي الوقوف في طريقه.