بات في حكم المؤكد أن جوائز نوبل السنوية في شتى مجالاتها ليست بعيدة كل البعد عن الأجواء السياسية السائدة في العالم لحظة إقرار لمن تعطى هذه الجوائز عموماً والأدبية منها على وجه الخصوص والتي منحت هذا العام للكاتب التركي أورهان باموق، الذي حوكم في بلاده وكاد يودع السجن بسبب موقفه المتعاطف مع الأقليات عموماً ومع الأكراد والأرمن على وجه الخصوص.

وبالتالي ليس غريباً البتة أن يتزامن منح الجائزة لباموق مع إقرار الجمعية الوطنية الفرنسية قانونا يعتبر أن إنكار مجزرة الأرمن جريمة يحاكم عليها القانون. وبذلك يكون عرس الأقليات قد اكتمل على الصعيد العالمي هذا العام، مع أن الحاضنات المكونة من الأغلبيات في المجتمعات المعنية لا تزال تعاني الأمرين على الصعد كافة.

ولا يجب النظر إلى الأقليات عبر الأحزاب المسيطرة في مجتمعاتها، لأن هذه الأحزاب غالباً ما تعبر عن مصالح فئة أو فئات اجتماعية ضيقة، الحزبان الكرديان المسيطران في ما يسمى إقليم كردستان العراق وحركة فتح في فلسطين على سبيل المثال لا الحصر، إذ وصلت هذه الحركات أو الأحزاب إلى سدة حكم مجزأة ومرتبطة مباشرة بحاضنة المشروع الاستعماري الأشمل.

كما أنها عادة ما تلجأ إلى استخدام أدوات عنيفة في إخضاع بقية شرائح المجتمع، الأمر الذي لا يعني سوى تجميد الصراعات الحقيقية ولو لحين، لكنها لا يمكن ان تلغى أو تصبح في طي النسيان بأي حال من الأحوال وبالتالي فإنه لابد من أن يأتي يوم وتطفو على السطح من جديد وحينها قد تكتسح هذه الصراعات الكامنة الأخضر واليابس على حد سواء على غرار ما يجري في العراق النازف دما مستباحا بلا هوادة حتى إشعار آخر.

لكن في غمرة هذه الغيرة وتلك الحمية وكل تلك النخوة حيال الأقليات التي تعيش في المناطق الساخنة تحديداً حول العالم (الكثير ان لم يكن غالبية الأقليات في أقاصي الأرض مهضومة الحقوق ولا أحد يسمع عنها أو يسأل عنها على غرار السكان الأصليين في المستعمرات التي وطأتها قدم الرجل الأبيض في غير قارة)، ألا يحق للناظر التساؤل حول مصير الأغلبيات وحقوقها المستباحة في مناطق تعتبر المناداة فيها بحق الأقليات قدس الأقداس وسيد الواجبات والأخلاق، فيما تهضم أبسط الحقوق الأساسية للإنسان في مجتمع الأغلبية.

لا أحد ينكر على الأقليات حقوقها السياسية والاجتماعية والثقافية ولاسيما حقها في تقرير المصير والاستقلال الذاتي، لكن لا يجب أن تأتي عملية السعي إلى تلك الحقوق أو نيلها على حساب حقوق الأغلبيات التي تعيش تلك الأقليات في كنفها،.

كما لا يجب أن تسمح لأحد باستغلالها واستخدامها كرأس حربة في مخططاته العدوانية، التي يضمرها ضد شعوب بأكملها، إذ يسجل في هذا السياق حالات استغلال بشعة لقضايا الأقليات من قبل قوى الاستعمار والامبريالية العالميتين بهدف تسهيل عمليات تمرير مشاريعهما في مناطق مختلفة من العالم.

لا بل ان تلك القوى المهيمنة دولياً سعت على الدوام ونجحت إلى حد كبير في زرع الشقاق بين الأقليات نفسها وبين هذه والأغلبيات في المجتمعات المستضعفة وذلك لإحداث فجوة في نظام الدولة عموماً تمهيداً لاختراقه وفرض مصالحها بأي طريقة كانت والمؤسف في الأمر هو تجاوب بعض الفئات السياسية المحلية والإقليمية مع قوى الاستعمار العالمية.

المهم هو إيجاد مناخ مناسب لظهور حالات صراع داخلية دائمة يبدو أنها تنسجم في يومنا هذا كل الانسجام مع عقيدة الفوضى البناءة المعتمدة من قبل الرئيس بوش وإدارته، علماً بأن هذا الطرح له جذور ضاربة في التاريخ، فلقد ذهب ابن خلدون على سبيل المثال إلى القول ان «الأوطان الكثيرة العصائب نادراً ما تستحكم الدولة فيها».

وإذا كان لا بد من تقديم مقترح باتجاه إيجاد حلول لمشكلة العلاقة بين أقلية أو أقليات ما والأغلبية التي تحتضنها، فإن ذلك المقترح يقوم على الأخذ أولا بمبدأ العدالة الاجتماعية بشتى مجالاتها والتي تشمل الحياة المدنية وحقوق الفرد والمجتمع على حد سواء، الفرد في المواطنة والمجتمع في تقرير مصيره.