بعد كل ما انهمر فوق رؤوس مسؤولي إدارة بوش والجمهوريين في الكونغرس في سبتمبر الماضي، فلا شك في أنهم يتساءلون عما إذا كان من الممكن أن يزداد الموقف ترديا بالنسبة لهم. ومن المؤكد أن ذلك أمر ممكن، حيث إن المصائب لا تأتي فرادى.
ومع مسارعة قادة الجمهوريين في الكونغرس إلى محاصرة الأضرار التي حاقت بهم، والتنصل من أية مسؤولية عن التداعيات المؤسفة التي تركها عضو مجلس النواب السابق مارك فولبي وراءه، فقد انطلق الرئيس بوش غرباً مشيدا بقيادات الحزب الجمهوري ومهاجما الديمقراطيين باعتبارهم يلزمون موقفا ضعيفا ومتهافتا فيما يتعلق بالأمن القومي.
وقد حدث ذلك في اليوم نفسه الذي لقي ثمانية جنود أميركيين خلاله مصرعهم في بغداد- وهو أسوأ إجمالي للخسائر في يوم واحد طوال ما يزيد على العام ـ فيما كانوا يتابعون تنفيذ الخطة الموضوعة لجعل مركز الثقل الرئيسي في العراق أكثر أمناً وهدوءاً.
ومن خلال قيامنا بنقل القوات الأميركية من قواعدها المحمية جيدا في أماكن أخرى من العراق وتكليفها بمهمة من الواضح أن العراقيين وحكومتهم لا يمكنهم القيام بها بأنفسهم، فإن كل ما فعلناه هو أننا قدمنا للقتلة أهدافا جديدة ومغرية.
وقد قوبل هذا الجهد بهجمات تشكل رقما قياسيا، وذلك باستخدام القنابل المبثوثة على امتداد الطرق وإطلاق نيران القناصة على الأهداف الأميركية الأكثر قابلية للإصابة، أما المذابح العراقية فقد تفاقمت عن ذي قبل.
والموجودون على الأرض في العراق يمكن تفهم السر في اعتقادهم بأن الموقف هناك يتردى بسرعة مخيفة.
وفي البيت الأبيض، فإن العقل السياسي المدبر للرئيس، وهو كارل روف، عكف على بذل قصارى جهده للتصدي لما كشف عنه الصحافي الأميركي بوب وود وارد النقاب. فقد قال توني سنو المتحدث باسم البيت الأبيض في معرض الرد على اتهام وود وارد للإدارة الأميركية بأنها في حالة إنكار للواقع القائم على الأرض في العراق: «إننا ننكر ذلك».
وردا على المقولة التي غالبا ما يرددها الرئيس الأميركي بأنه سيقدم كل التعزيزات التي يطلبها القادة الموجودون على الأرض في العراق قال أحد هؤلاء القادة السابقين، وهو ميجور جنرال جون باتسي، إن الأميركيين كذلك حقا. وأضاف باتسي إنه عندما كان يقود فرقة المشاة الأميركية الأولى وصل به الأمر إلى حد التوسل لإمداده بالمزيد من القوات ولم يحصل على جندي واحد.
ولكن بالنسبة لأولئك الخبراء الذين يقولون إننا لا بد أن نقوم بتعزيز قواتنا في كل من العراق وأفغانستان فإنهم يشيرون إلى ضرورة تذكر أن كبار قادة الجيش الأميركي كانوا يبلغون كل من يكترث بالإصغاء لهم أنهم قد لا يكون بمقدورهم تلبية المستويات الراهنة من احتجاجات القوات خلال العام المقبل من دون مساعدة استثنائية من احتياطي الجيش واحتياطي الحرس الوطني.
وفي غضون ذلك، فإن الألوف من دبابات الجيش وعربات القتال من طراز برادلي وهمفي المدمرة والبالية تتراكم في ورش الإصلاح التابعة للجيش، ويقول قادة الجيش إنها لا يمكن إصلاحها ما لم يوفر الكونغرس 17 مليار دولار.
ولكن ليوفر الجيش الأميركي القوات الحالية التابعة له والمرابطة في العراق وقوامها 147 ألف جندي، فقد اضطر إلى تقليص القوات التي تنتقل إلى الولايات المتحدة لتنال قسطا من الراحة تحتاجه بشدة، الأمر الذي ترك في الولايات المتحدة لواءين أو ثلاثة فقط، أي أقل من عشرة آلاف جندي، وهي وحدات ليست قادرة إلا بالكاد على الاستجابة لأزمة قد تنشب في أي مكان في العالم.
ولقد قلل دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي خلال سفره إلى أميركا الوسطى من أهمية جوقة النداءات التي ارتفعت مطالبة باستقالته أو طرده من منصبه، وقد ثبت نظارته الوردية على طرف أنفه باحكام. وأبلغ مؤتمرا لوزراء دفاع أميركا اللاتينية بأن ما نحتاجه بشدة في هذا العام للإنجاز أي شيء يتمثل في تحالف الأمم. وتعد هذه نصيحة غريبة تجيء من الرجل الذي سخر من أوروبا «أوروبا العجوز» لدى القيام بغزو العراق.
وفي غضون ذلك ترك الكونغرس الذي لا يتقن القيام بشيء العاصمة الأميركية للانطلاق في الحملات الانتخابية ومحاولة إنقاذ وظائف أعضائه وسيطرة الجمهوريين على مقاليد السلطة.
غير أن الأعضاء الجمهوريين في الكونغرس حرصوا قبيل المغادرة على تمرير مخصصات تبلغ 20 مليون دولار لتمويل احتفال العائد بالنصر من العراق يقام في العاصمة الأميركية. وكانوا قد اعتمدوا هذا المبلغ للعام الحالي، ولكن لم يكن هناك، ويا للحسرة، انتصار يمكن الاحتفال به. ولما كانوا يعلقون الآمال دوما فقد حرصوا على التأكد من توافر الأرصدة لهذا الغرض في العام المقبل أيضا.
وليس بمقدورهم العثور على تمويل كاف لإصلاح كل المعدات الحربية أو لتمويل مبلغ 2 مليار دولار الذي يشكل تكلفة الحرب في أسبوع التي تقع على كاهل دافعي الضرائب. ولكن المال سيتوافر للألعاب النارية والاحتفالات بالنصر.
ولا يستطيع المرء إلا التساؤل عما يعتزمون القيام به بعد ذلك والتساؤل عما إذا كانت أمامهم فرصة لإعادة الانتخاب في ظلال فضيحة فولي.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز»خاص ل: «البيان»