يبدو المشهد الفلسطيني حاليا خاصة بعد اخفاق الوساطة القطرية في اقناع حركة حماس بالنقاط الست التي وضعها الرئيس الفلسطيني كأساس لاطلاق حكومة وحدة وطنية وكأنه تعرض لتجربة نووية، فالفلسطينيون حتى الآن ما زالوا يعيشون الوضع العصبي المتوتر الذي خلفته احداث غزة الدموية التي وصفها وزير الداخلية بأنها تمرد نجح في القضاء عليه وهو عمليا لم يكن كذلك بل مجرد مسيرات احتجاجية على الوضع المعيشي.

الوساطة القطرية عمليا لم تنته لأن ثمة دلائل على أنها ستستمر لكن الآمال تبدو ضئيلة في احتمال توصلها إلى اتفاق بين حركتي حماس وفتح اللتين خاضتا حربا اعلامية غير مسبوقة في الاسابيع الأخيرة زادها اشتعالا خطاب رئيس الوزراء اسماعيل هنية ورد حركة فتح عليه واتهامه باثارة الفتنة والتحريض على حركة فتح.

وفي حالة فشل الوساطة القطرية التي لم تستطع انتزاع موافقة حماس على النقاط الست فان الاحتمالات على الساحة الفلسطينية تبدو قليلة.. فهي تتراوح ما بين الذهاب إلى استفتاء عام ثم انتخابات مبكرة أو الدخول في أتون حرب أهلية طالما هدد قادة من حركة حماس بها في حالة التوجه إلى انتخابات مبكرة فالنقاط الست التي دارت الوساطة القطرية حولها تمثل مخرجا لحركة حماس من الأفق المسدود الذي وصلته حكومتها الفاشلة.

حيث تتضمن هذه النقاط اعترافا متبادلا بين الحكومة المقترحة واسرائيل. فالاعتراف هنا بين حكومة الوحدة واسرائيل وليس بين حركة حماس واسرائيل. غير ان المسألة ما زالت تراوح مكانها حيث ما زالت حركة حماس متوقفة عند المبادرة العربية التي تعتبر انها تحمل في طياتها اعترافا بإسرائيل، لكن القارئ للمبادرة يتبين له ان هذا الاعتراف مشروط بانسحاب اسرائيلي من الاراضي المحتلة عام 1967 واقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس.

. وحل مسألة اللاجئين الخ. لكن يبدو انه كلما تزال عقبة من امام قيام حكومة فلسطينية جديدة تعود حماس إلى التمسك ببعض المواقف لافشال المساعي، حيث باتت هناك قناعة لدى الكثير من المراقبين من ان حركة حماس غير معنية باقامة حكومة وحدة وطنية الا على اساس برنامجها وهو برنامج لا يرفع حصارا ولا يفك ازمة سياسية داخلية اقتصادية ولا يعيد القضية الفلسطينية إلى الحلبة الدولية.

فعندما قدر خبراء في مكتب رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت بأن القضية الفلسطينية ماتت كانوا لا يبالغون حيث لم يعد أحد يتحدث عن القضية كقضية سياسية وانما كقضية انسانية وهذا التراجع مرده الخلاف الداخلي الذي غطى على الاجراءات والممارسات الاسرائيلية كلها.. بل وحجبت احداث غزة الدموية شمس التفاؤل حول المستقبل.

لأن حركة حماس بررت القتل بأنه شرعي وبموجب القانون.. وهاجم رئيس وزرائها كل من يعارضه بما في ذلك الكتاب والصحافيون وهدد بالحرب وتحدث كزعيم حزب وليس رئيس حكومة للشعب الفلسطيني..

وهو ما ردت عليه اللجنة المركزية لحركة فتح وانتقدت خطاب هنية واعتبرته تهديدا وتحريضا ومثيرا للفتنة. اذ يبدو وكأن قادة حماس غير معنيين فعلا باقامة حكومة وحدة وطنية وحتى وحدة ونص وليس لاسباب سياسية تتعلق بقرارات الشرعية الدولية وغيرها..

ولكن لأن حركة حماس غير قادرة على التوافق مع أي حزب فلسطيني آخر في الحكومة، أنها تريد الهيمنة منفردة وهي عمليا لا تعاني من أية مشكلات كحزب فهي تتصرف بما يقرب ما بين 20-25 مليون دولار شهريا هي قيمة الضرائب المباشرة التي تدخل خزينة وزارة المالية وتصرف مكافآت شهرية للموظفين الجدد من انصارها التي تم تعيينهم وعددهم اكثر من خمسة آلاف موظف في غزة وحدها..

حيث ان حماس لا تولي الضفة ذلك الاهتمام الذي توليه لغزة مركز ثقلها كما ان الحركة لديها اموالا كثيرة تأتيها من الخارج خاصة من ايران وبالتالي لا تعاني حماس وانصارها من أية مشاكل اقتصادية ومالية .

حيث تصل المساعدات النقدية والعينية ليلا لاتباع الحركة دون غيرهم فالمسألة هنا ان هناك حزبا له حكومة وثمة شعب بلا حكومة، فالحكومة الحالية خرجت عن كونها حكومة للجميع بل هي تعمل لصالح الحزب وتكريس وجوده في الوزارات ومساعدة انصاره وتقديم الدعم لهم.

وما من سبب بعد هذا يجبر حركة حماس على الانتقال من التفرد بالحكومة إلى حكومة وحدة وطنية تنتقص منه هيمنة حماس وتشرك تيارات اخرى في القرار الحكومي وتفك الحصار وتعيد الحياة إلى طبيعتها وهذا كله سيجعل حماس تبدو وكأنها السبب في الأزمة الخانقة التي يعيشها الشعب الفلسطيني منذ انتخابها.

وبالتالي فان خيار الوضع المعقد والعزف المنفرد على وتر القرار الحكومي وهو الأنسب بالنسبة لقادة حماس لأن اعادة الحياة إلى طبيعتها يعني بالضرورة فقدان حماس للكثير من التأييد الشعبي. ولهذا يلاحظ ان قادة حماس يكثرون من التهديد بحرب أهلية كلما جرى الحديث عن تشكيل حكومة انتقالية أو طوارئ أو الدعوة لاستفتاء عام أو انتخابات مبكرة.

وهم عمليا عند قولهم لأن الانتخابات المبكرة ستعيدهم إلى المعارضة ويخسرون كل شيء فاما العودة إلى المقاومة وثمن ذلك سيكون باهظا حيث ان إسرائيل مصممة على اجتياح شامل لغزة للقضاء على أية مقاومة وتصفية كل القيادات أو الابقاء على الوضع الفلسطيني تحت السيطرة بعيدا عن إسرائيل وإظهاره .

وكأنه صراع داخلي ليس من مصلحة إسرائيل التدخل فيه مباشرة وهذا ما يحدث عمليا حاليا. في المقابل لا يمكن للرئيس الفلسطيني ان يحتمل المزيد من ضياع الوقت في حوار الطرشان حول حكومة الوحدة الوطنية وهو عندما طرح النقاط الست وعرضها على دولة قطر فانه كان يأمل ان هذه النقاط ستنجح وهو لا يمكنه اضافة أو تعديل أي من بنودها باعتبارها الحد الادنى الذي يمكن ان يقبل به المجتمع الدولي لرفع الفيتو عن الحكومة الفلسطينية واستئناف العملية التفاوضية.

وحتى الآن لم يفصح ابو مازن عن خطوته التالية في حالة رفض حماس لنقاطه الست لحكومة الوحدة الوطنية ولكنه يقول ان لكل حادث حديثاً.. وثمة من لا يستبعد حدوث مفاجأة في اللحظة الأخيرة كالاتفاق على حكومة كفاءات..

وثمة من يقول ان حركة حماس لن تجرؤ على خوض حرب أهلية أو اعادة سيناريو احداث غزة حيث ان ثمة تصميما لدى القيادة الفلسطينية وحركة فتح على خوض أية معركة تثيرها حماس مهما كان الثمن حتى لو كانت حرباً أهلية، لأن الوضع الفلسطيني في حالته الراهنة أسوأ من وضع الحرب الأهلية.

رئيس تحرير «الحياة الجديدة» فلسطين